اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

87

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

غير أن حدود « المعمورة » والأقاليم قد حفظت لنا على الطريقة اليونانية ، أما الأطوال فقد حسبت على ما يبدو على أساس المذهب الإيراني ابتداء من المشرق كرد فعل ضد الاتجاه الغربى للعلم ، أو ربما كان ذلك أكثر ملاءمة لطريقة الكتابة العربية من اليمين إلى اليسار 156 . وبالطبع فإن إعادة تصوير هذه الخارطة بحذافيرها أمر مستحيل 157 بالرغم من أن بعض الفلكيين قد أفادوا منها بطريقة منتظمة وحفظوا لنا مجموعة من الحقائق عنها 158 ؛ ولا يزال الكثير من الغموض يكتنف طبيعة الأسس التي رسمت عليها . وبالرغم من أن المسعودي يؤكد أن الأرض قد صورت فيها وفقا لمذهب بطلميوس إلا أن الزهري الجغرافي الأندلسي للقرن السادس - إذا صح ما زعمه في مقدمة مصنفه « كتاب الجغرافيا » 159 من أنه قد رأى الخارطة المأمونية - يعطى وصفا مغايرا تمام المغايرة . وطبقا لما جاء في قوله فقد كانت مقسمة إلى سبعة أقاليم ستة منها تحيط بالسابع الموجود في الوسط . وهذه الطريقة أكثر مطابقة للتقسيم الإيراني للأرض إلى كشورات كما وصفه البيروني في - - « كتاب التفهيم » 160 ؛ وإذا ما أخذنا في حسابنا الميول الإيرانية للمأمون وللدوائر المحيطة به فيجب ألا يدهشنا هذا في شئ . بيد أن أقوال الزهري تقف فريدة في بابها بشكل يمنعنا من تغليبها على إجماع الآراء في الجانب الآخر . وثمة نقطة لا يرقى الشك إليها وهي أن فكرة صنع خارطة للعالم من أجل المأمون لم تخل من تأثير فكرة اعتبارها رمزا للسيادة العالمية وذلك على نهج إيران القديمة ، فقد حفظت روايات عديدة عن آثار مماثلة عملت من قبل للأكاسرة الساسانيين . وقد اعتبر كبار الحكام هذا وقفا عليهم وحدهم لا يشاركهم فيه أحد ، كما سنرى من مثال السامانيين بخراسان والنورمان بصقلية 161 . ومهما كانت طبيعة الحل الذي سنجده للمشكلة المتعلقة بخارطة المأمون فإنه يمكن القول على أية حال وبدرجة كبيرة من اليقين أن فن الكارتوغرافيا ( أي رسم المصورات الجغرافية ) العربي قد ارتبط منذ البداية باسم بطلميوس بنفس القدر الذي ارتبطت به الجغرافيا الرياضية . وقد حفظ لنا العرب وورثهم ذكرى بطلميوس إلى نهاية العصور الوسطى حفظا فاق بكثير ما فعلته أوروبا الوسيطة في هذا المضمار رغما من أنها تدين له بالكثير أيضا . وقد نسيت خارطته تماما في الغرب وكانت خارطة الإدريسى حوالي عام 1154 هي الأثر الوحيد الهام في الكارتوغرافيا الأوروبية قبل القرن الرابع عشر الذي يتمثل فيه التراث البطلميوسى 162 . وعرف كتابه المجسطى جيدا في أوروبا منذ القرن الثاني عشر وذلك بفضل الترجمة اللاتينية المنقولة عن العربية 163 ، ولكن « جغرافيا » لم يكتشف في أوروبا للمرة الأولى إلا في بداية القرن الخامس عشر 164 . ومن الطريف ملاحظة أنه يمكن تحديد تاريخ الكشف عن « جغرافيا » بطلميوس بالكثير من الدقة ؛ فبطرس الآيى المار ذكره والذي يرجع الفضل إلى كتابه « صورة العالم » في اطلاع كولومبس على نظريات العرب في الأرين ، قد استعمل عند تأليفه له حوالي عام 1410 كتاب « المجسطى » وحده ، ولم يكن له أدنى علم بكتاب « جغرافيا » لبطلميوس 165 . ولكن لا نلبث أن نراه