اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

85

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

لجميع النقاط الهامة من جديد . أما فيما يتعلق بخط نصف النهار الابتدائي فإن الآراء كما أسلفنا لم تتفق على نقطة واحدة ، فالفلكيون العرب بدأوا حسابهم إما على نمط اليونان ابتداء من أقصى الغرب متجهين صوب الشرق إلى درجة 180 من « المعمورة » ، أو قاسوا 90 درجة إلى الشرق وإلى الغرب من خط منتصف النهار المركزي الذي يخترق « قبة الأرين » في مركز الأرض على خط الاستواء 142 . بيد أن هذا لم يمنعهم من بلوغ درجة عالية من الدقة في حسابهم مما يمكن استنباطه من بعض الأمثلة . فالفلكيون أبناء موسى بن شاكر قد قاسوا عرض محلة باب الطاق ببغداد بثلاث وثلاثين درجة وعشرين دقيقة شمالا ، وهو ما ينطبق تماما على واقع الحال . كما ضبط الماهانى ( توفى حوالي 260 ه - 874 - 270 ه - 884 ) عرض مدينة سامرا بأربع وثلاثين درجة واثنى عشر دقيقة شمالا ، بينما يشير التحديد المعاصر لأوبنهيم Oppenheim إلى 34 درجة و 11 دقيقة و 50 ثانية شمالا 143 . أما البيروني فإنه قاس فرق الطول بين بغداد وغزنة في 24 درجة و 20 دقيقة وذلك بطريقة تنم عن ذكاء وافر توصل إليها بنفسه ، هذا بينما أثبتت الملاحظة المعاصرة أن الفرق يبلغ 23 درجة و 50 دقيقة 144 . ومما يقدم مثالا طريفا للتصحيحات التي أجراها العرب في قياسات الأطوال التي أخذت قبلهم هو اختزالهم التدريجي لطول البحر الأبيض المتوسط ، فاليونان وفقا لبطلميوس قدروا طوله باثنين وستين درجة ، اختزلها محمد الخوارزمي إلى 52 درجة وتلاه الزرقالى في « جداول طليطلة » 145 فاختزلها إلى 42 درجة أي ما يعادل طوله الحقيقي بالتقريب 146 . وقد استمر هذا التراث في حفظ الحساب الدقيق إلى نهاية عصر الابتداع العلمي « العربي » في الشرق ، فالوغ بيك يحدد عرض مرصده بسمرقند في 39 درجة و 37 دقيقة شمالا ، صححها الفلكي الروسى استروفه Struve إلى 39 درجة ، و 28 دقيقة و 50 ثانية أي بفرق يقل عن دقيقتين 147 . وتقرير فلكيى عصر المأمون في تحديد المواقع الجغرافية يرجع أساسا إلى الأرصاد التي أجريت ببغداد عام 214 ه - 829 وبدمشق عام 217 ه - 832 148 ، ويعرف هذا التقرير باسم « الزيج المأموني الممتحن » وهو وإن لم يصلنا في صورته الأصلية إلا أن أثره كان بليغا كما يتضح من المصنفات المماثلة لمعاصريه الخوارزمي والفرغاني . ومن الطريف ملاحظة أنه لا يخلو - - من رد فعل معين ضد التأثير المطلق للعلم اليوناني ، فهو خلو تماما من أية أسماء من أسماء العالم الكلاسيكى كما وأن القليل من الأسماء الأعجمية الواردة فيه إنما يرتفع إلى مصدر سريانى 149 . والمادة الرئيسية للحكم على « الزيج المأموني » تستقى أساسا من الرسالة الشهيرة لأحمد بن محمد بن كثير الفرغاني « كتاب الحركات السماوية وجوامع علم النجوم » - وهي واحدة من أولى المصنفات العربية في الفلك وتكاد تكون أكثرها شهرة في أوروبا الوسيطة . ورغما عن هذا فإن اضطرابا بالغا يسود المعلومات عن المؤلف ، ولم يقتصر هذا على الجهل بتاريخ وفاته بل تعداه إلى أنه لم يتضح حتى الآن هل يقصد بهذا الاسم شخص واحد أم شخصان مختلفان ، وأيهما