اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

84

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

على ما بلغته الحضارة العربية من تقدم علمي كبير وسريع الخطى ، مما جعلها تحتل بحق مكانة مرموقة في تاريخ الجغرافيا والرياضيات 132 . ومما يؤكد الأهمية التاريخية لهذا الحادث أن القياس التالي للأرض بعد العرب لم يتم إلا في أوائل القرنين السادس عشر والسابع عشر ( فرنل Fernel وسنليوس Snellius ) 133 . - - كان الحساب المأموني لدرجة خط منتصف النهار أصح القياسات لعهده وأعمها انتشارا ، غير أن العرب عرفت أيضا غيره من القياسات وصلتهم عن اليونان والسريان واستمر بعض العلماء يستعملها من حين لآخر . ويمكن أن يرد أصل هذه الحسابات إلى أن علماء السريان والعرب لم تكن لديهم فكرة واضحة عن حقيقة المقاييس التي استعملها اليونان عند إجراء تلك القياسات وخير مثال لهذا هو حساب بطلميوس للدرجة بمقدار ستة وستين ميلا وثلثي الميل 134 ، وذلك على أساس القياسات التي أجريت في أرض الجزيرة بين حران وآمد والتي يتحدث عنها ياقوت في مقدمة معجمه الجغرافي 135 . وقد كان تحديد الدرجة بمقدار خمسة وسبعين ميلا 136 ، وهو التحديد الذي أخذ غالبا عن السريان ، أقل دقة واستعمالا من سابقه رغما من أنه ظهر في عدد من المؤلفات الجغرافية ووجد عند فلكى كبير كالبتانى 137 . هذا وقد ارتبطت مقاسات الطول المستعملة في الحياة اليومية بالقياس الأول ، وإذا حدث وان تراوحت مقاسات الذراع نظرا لتعدد أنواعه فإن الميل قد استمر ثابتا ، على الأقل في المعاملات الرسمية 138 ؛ كما استمر ثابتا أيضا الفرسخ وهو يساوى ثلاثة أميال ، أي ستة كيلومترات بالتقريب 139 . ويفضل الترجمات اللاتينية للمصنفات العربية وجد طريقه إلى أوروبا التحديد المأموني للدرجة بستة وخمسين ميلا وثلثي الميل . ونتيجة لذلك فقد تكرر ما وقع للسريان والعرب مع اليونان ، ذلك أن العلماء الأوروبيين للقرنين الرابع عشر والخامس عشر لم يلتفتوا إلى الاختلاف بين الأميال العربية وأميالهم ، الأمر الذي نشأت عنه أخطاء جسيمة أعان أحدها على اكتشاف كولومبس لأميركا ، فهو قد احتسب الدرجة بمقدار ستة وخمسين ميلا إيطاليا وثلثي الميل ، في حين كان الميل الإيطالى في واقع الأمر يقل عن الميل العربي بمقدار ثلاثمائة وأربعة وثمانين مترا . وعلى ذلك فالدرجة الواحدة في حساب كولومبس تقل بمقدار اثنين وعشرين كيلومترا عن الدرجة العربية ، وبالتالي كان تقدير المسافة بين سواحل أوروبا الغربية وسواحل آسيا الشرقية أقل بكثير عن الواقع ، ولعل كولومبس لو علم بحقيقة الأمر منذ البداية لما أقدم على ركوب المحيط على سفنه الصغيرة التي لم يكن بوسعها حمل المؤن اللازمة لمثل هذه المهمة 140 . وحساب درجة نصف النهار لا يعتبر الحدث الأهم لعصر المأمون ، ولكن يمكن اعتباره حدثا فريدا فقط ، إذ أن النشاط سار قدما وبخطى منتظمة في محيط الفلك والجغرافيا الرياضية - - . ففي خلافة المأمون تم إنشاء مرصدين أحدهما ببغداد بحي الشماسية والآخر على جيل قاسيون عند دمشق ؛ وقد تركز مجهود المرصدين في تحقيق جميع معطيات المجسطى تحقيقا علميا 141 ، وساق هذا إلى تحديد الموقع الجغرافي