اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

83

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الفتية 121 . وبغض النظر عن النتائج التي توصلوا إليها فإن المحاولة في حد ذاتها جديرة بالإكبار خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنه لم تجر منذ أقدم العصور سوى ثلاث تجارب مستقلة لقياس الأرض - إحداها لإيراتوسثينيس والثانية لبطلميوس والثالثة للعرب ، وأن جميع معلومات أوروبا الوسيطة في هذا الصدد إنما تعتمد عليها اعتمادا كليا 122 . وقد اختيرت لهذا القياس المفازة الواقعة بين تدمر والرقة على الفرات وواد في أرض الجزيرة قرب سنجار بين درجتي عرض 35 و 36 شمالا 123 . وانقسمت اللجنة المكلفة بذلك العمل ، وذلك بعد اجتماعها في النقطة المركزية ، إلى فرقتين اتجهت إحداهما جنوبا على خط منتصف النهار على بعد درجة واحدة ، بينما اتجهت الفرقة الأخرى على نفس المسافة ولكن صوب الشمال . ثم رجعتا إلى نقطة البداية وأجروا مقارنة بين النتائج التي توصلوا إليها ثم استخلصوا النتيجة النهائية . وقد أجريت هذه التجربة عام 827 واتسمت الروايات عنها بطابع يسوده الاضطراب من ناحية - - والخيال من ناحية أخرى . ويروى ابن يونس ، وهو من فلكيى أواخر القرن العاشر ، أن إحدى الفرقتين قد حددت مقاس الدرجة بسبعة وخمسين ميلا بينما حددته الأخرى بستة وخمسين ميلا وربع الميل ، وأنه حين عرضت النتائج على المأمون أخذ بالرقم المتوسط وهو ستة وخمسون ميلا وثلثا الميل 124 . وأغلب الظن أن هذه التفاصيل لا تخلو من العنصر القصصى ، ولكن تجدر بنا الإشارة إلى أن بعض الفلكيين ممن كانوا على علم بطريقة القياس هذه قد توصلوا إلى نتائج مكنت العلم المعاصر من حساب المعادل المترى ( Metric Concordance ) لمقاسات المأمون . هذا وعقب المحاولة الفاشلة لجوردان Jordan في أواخر الثمانينيات من القرن السابق وذلك اعتمادا على الترجمات اللاتينية للمصنفات العربية ، أجرى المستعرب نالينو Nallino في عام 1892 فحصا عميقا لجميع الروايات المختلفة عن المقاييس العربية لخط منتصف النهار بدقة فائقة حتى أن عالم الرياضيات شوى Schoy لم يأخذ عليه في عام 1927 سوى فروق ضئيلة 125 . وقد وضح من هذه القياسات أن الميل العربي كان يساوى أربعة آلاف ما يسمى « بالذراع السوداء » التي ارتبطت باسمها كما هو الشأن دائما أسطورة ما . وهذه الذراع السوداء كانت أقل من نصف المتر قليلا ( 4933 ر . مترا لدى نالينو و 4932 ر . مترا لدى شوى ) 126 . وقد نشأ الخطأ في حساب العلماء السابقين لهما من اتخاذهم ذراع « مقياس النيل » Nilometer المشهور بالقاهرة كوحدة للقياس . وهو يتجاوز نصف المتر بقليل ( 54 ر . من المتر لدى شوى ) 127 ولذا فإن الميل العربي المستعمل هنا يقرب طوله من كيلومترين ( 2 ر 1973 مترا عند نالينو أو 8 ر 1972 مترا عند شوى ) 128 . ودرجة خط منتصف النهار مقدارها عند نالينو 67 ر 111814 مترا 129 وعند شوى 9 ر 111720 مترا 130 . فإذا عرفنا أن أكثر المقاسات انتشارا في القرن التاسع عشر وهو مقاس بيسيل Bessel قد قدر الدرجة بمقدار 110938 مترا 131 ظهر لنا جليا أن الخطأ في مقياس العرب يقل عن الكيلو متر ، مما يمكن أن نرجعه في يسر إلى النقص في الأجهزة المستعملة في القرن التاسع . إن هذه المحاولة الجريئة لمقاس الأرض تقف في حد ذاتها دليلا