اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

391

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

عام 715 ه - 1315 اشترك أبو الفدا في حملة أخرى على آسيا الصغرى . غير أن هذه الحياة النشطة الدائبة الحركة لم تحل دون اشتغاله بالأدب فإلى هذه الفترة بالذات يرجع تدوين القسم الأكبر من تاريخه الذي ظل يضيف إليه عاما بعد عام حتى سنة 729 ه - 1329 ؛ وفي الوقت نفسه وذلك عندما كان بحماة في عام 717 ه - 1317 اشتغل أيضا في تأليف كتابه في « الجغرافيا » . وقد كان التوفيق حليفه دواما في خططه السياسية فتم تنصيبه للمرة الثانية في عام 720 ه - 1320 أميرا على حماة وأصبحت الإمارة وراثية في بيته ولقب بالملك المؤيد . وفي رحلة له إلى مصر زار الإسكندرية ونال شرف حضور استقبال سفراء نادرين مثل سفير خايمه Jaime ( يعقوب ) الثاني ملك أراغون Aragon وسفير ايلخان فارس ؛ وفي أثناء اصطحابه للسلطان في تجواله بمصر العليا بلغ دندرة . وختم أيام حياته بسلام في حماة وذلك في أكتوبر سنة 732 ه - 1331 بعد أن تنبأ كما تزعم الأسطورة بأنه لن يتجاوز الستين شأنه في هذا شأن جميع أفراد أسرته ؛ بل إن نسله نفسهم لم يكتب لهم البقاء طويلا في عالم الأحياء فقد ورث ابنه بعده سلطان الأسرة بحماة وخلعت عليه الإمارة من سلطان مصر ولكن بعد وفاته في عام 742 ه - 1341 لم يستطع الحفيد أن يرتفع إلى مستوى الأحداث المعقدة لذلك العصر وقنع بالاحتفاظ بمظهر الإمارة إلى وفاته بحماة في عام 758 ه - 1357 فانقرض بذلك بيت أبى الفدا 53 . ولا تزال مقبرة أبى الفدا حتى يومنا هذا بمدينة حماه قرب - - المسجد المعروف « بمسجد الحيايا » الذي بناه أبو الفدا نفسه كما يمكن الاستدال من نقش موجود بالمسجد حاليا يرجع تاريخه إلى عام 727 ه - 1327 54 ، وعلى مقربة من منارة المسجد أمر أبو الفدا بتشييد « تربة » له زودها بكفن ، وإذا لم يكن ثمة خطأ قد وجد سبيله إلى تاريخ النقش فإن أبا الفدا يكون بذلك قد أعد العدة لوفاته قبل أربعة أعوام من حدوث ذلك ، أي عندما بنى مسجده في عام 727 ه - 1327 55 . وقد حفظت لنا الأقدار أثرا فنيا كان يمتلكه أبو الفدا ويمثله كاتبا أكثر مما يشير إليه كحاكم ، هو عبارة عن « قلمدان » ، أي وعاء للأقلام ، مصنوع من البرونز ونقشت عليه عبارة مناسبة وهو يعد أثرا طريفا في الفن الإسلامي 56 . وكانت حماه في عهد أبى الفدا مركزا للأدب والأدباء نلتقى فيها بعدد من الشعراء الذين تنافسوا في مدح الأمير كالشاعر المشهور ابن نباته ، كما نلتقى فيها أيضا بمواطنين من أهل المدينة نفسها كالشاعر الشعبي عمر المهار ( توفى حوالي عام 710 ه - 1310 ) 57 . ولم يكن أبو الفدا نفسه غريبا على الشعر ، كما وأنه ضرب بسهم وافر في كثير من العلوم كالفلك والطب والنبات إلا أن شهرته العلمية تعتمد أساسا على مصنفيه في التاريخ والجغرافيا . وأبو الفدا وإن كان معاصرا لماركو بولو Marco Polo ( 1256 - 1323 ) إلا أنه لم يكن رحالة ، فهو لم يعرف غير الشام والبلاد المجاورة لها كفلسطين وبلاد العرب ومصر والجزء الشرقي من آسيا الصغرى « * »

--> ( * ) أي الأفاعي ، وهو جمع عامي لحية كما يستعمله أهل تلك النواحي . ( المترجم )