اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
382
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الفصل الرابع عشر القرن الرابع عشر بدأ نصيب الأندلس والمغرب في تطور الأدب الجغرافي يتضاءل بصورة ملحوظة في القرن الرابع عشر ؛ وكان السبب في ذلك هو أن غرناطة قد أصبحت المركز الوحيد للعرب في شبه الجزيرة الأيبرية ، وهي إن ظلت محتفظة بهالة من الحضارة السالفة إلا أنها كانت دائما تحت رحمة جيرانها الشماليين . وقد أثبت نمط الرحلة بجدارة أنه أكثر الأنماط مقاومة ورواجا غير أن اهتمام المغاربة به كان يتجاوز اهتمام الأندلسيين ، وظل هذا الاتجاه مزدهرا بين ظهرانيهم حتى اختتمه ابن بطوطة فاختتم بذلك في نفس الوقت سلسلة الرحلات العربية ذات الأهمية العالمية . وباستتباب سلطان المماليك بمصر مدة قرنين من الزمان اقتضت ظروف الحكم أن تولى عناية خاصة للأدب الجغرافي في جميع أنماطه التي عرفناها من قبل ، فنلتقى في هذا العصر بنمطى الفضائل والخطط وقد ظل هذا الأخير مزدهرا بمصر حتى القرن التاسع عشر ؛ كما نما بصورة خاصة نمط الموسوعات الذي ساد في القرنين الرابع عشر والخامس عشر والذي يمثله عدد من المصنفات الضخمة التي تقع في مجلدات عديدة . أما الشام فتقدم لنا في النصف الأول من القرن الرابع عشر مصنفين هامين في الكوزموغرافيا هما مصنفا أبى الفدا والدمشقي ؛ وقد نال الأول منهما شهرة لم يبلغها غيره في الدوائر العلمية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وأما إلى الشرق من الشام فإن الأدب الجغرافي يبدو لنا في قالبه الفارسي وحده ، وإن أسماء رشيد الدين فضل اللّه وحمد اللّه قزوينى لتقف شاهدا على أن أهميته قد تجاوزت حدود بلاده . وقد رأينا من الأفضل أن نغض النظر عن التتابع الزمنى بعض الشئ فنؤجل الكلام على موسوعات عهد المماليك إلى الفصل التالي لهذا بوصفها نمطا جديدا في الأدب الجغرافي وسنختتم ذلك الفصل نفسه بوصف رحلة ابن بطوطة الذي يعتبر من الناحية الزمنية آخر أثر جغرافى كبير يظهر في القرن الرابع عشر . أما الآثار العديدة الأخرى والتي تنتمى جميعها بالتقريب إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر فسيجرى فحصها وتحليلها في هذا الفصل الواحد تلو الآخر متجهين من المغرب إلى المشرق . وأول ما يواجهنا منها هو نمط الرحلة التي أخذت تعكس الاهتمام بالعلوم الطبيعية إلى جانب الأدب الفنى والتي تذكرنا إلى حد ما بما لاحظناه في العصر السابق لهذا . وإلى هذا النمط ينتمى مصنفان لمحمد بن رشيد