اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
371
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
من الكنائس والأعمار ( 9 ) في ذكر الحمامات بباطن دمشق وظاهرها ( 10 ) في ذكر فضلها وما مدحت به نثرا ونظما . وفي وصفه لحلب يزيد في الفصول حتى يبلغ بها سبعة عشر فصلا 111 هذا بينما يميل وصفه إلى الاقتضاب فيما يتعلق بالمدن التي تقل أهمية عن ذلك ولو أنه لا يحيد في شئ عن المنهج الذي سار عليه في بقية الكتاب « * » ولكتاب ابن شداد مزايا أخرى فمصادره مثلا متنوعة وقيمة للغاية ، وهو يسمح لنا دائما بالتعرف على مصنفات لم تصل إلينا أحيانا بطريق مباشر 112 . وأطرف من هذا أنه لم يكن له علم فيما يبدو بمعجم ياقوت ، ومهما يكن من شئ فإنه لم يشر إليه ولو مرة واحدة 113 . ومن الجدير بالملاحظة أن ابن شداد كان حتى عام 629 ه - 1232 يعتمد اعتمادا كليا على رواية الغير 114 ولكن ابتداء من ذلك التاريخ أخذ يبدو على عرضه طابع الأصالة التامة الذي يعكس بجدارة اتساع تجربته وملاحظته الشخصية . هذا ولم يفد المؤرخون المتأخرون كثيرا من كتاب ابن شداد 115 باستثناء الأقسام المتعلقة بالشام - - وبدمشق بصفة خاصة والتي اجتذبت اهتمام جميع من عالجوا الكتابة في أمثال هذه الموضوعات 116 . وتعتبر مادة ابن شداد في تاريخ دمشق وخططها من أكمل ما قدمه عصره 117 وقد تردد صدى هذا عند جميع المؤلفين الذين كتبوا عن فضائل دمشق في العصور التالية له ؛ ومما يزيد في أهمية ابن شداد أنه يكاد أن يكون الممثل الأخير للجغرافيا التاريخية على الأساس الإقليمى الذي درس الشام في وحدة عضوية مع أرض الجزيرة . ولعله من نافلة القول أن نستدرك بقولنا مرة أخرى أن تطور الأدب الجغرافي ( أو التاريخي ) في اللغة العربية قد تردد صداه في الأدب الفارسي . وقد كان عصر المغول بالنسبة للأدب الفارسي عصر ازدهار خاص ، ولعله ليس من محض الصدفة أن يرفع القزويني مؤلفه كما رأينا إلى الجويني ؛ ذلك أن هذا الأخير لم يكن موظفا كبيرا من موظفى الدولة فحسب بل كان في ذات الوقت عالما مرموقا ومؤرخا كبيرا استطاع أن يقدر مصنف القزويني حق قدره لأن المسائل الجغرافية لم تكن غريبة عليه ؛ وإلى جانب هذا فهو كان يستطيع الكتابة بالعربية كما وأنه استعمل المصادر العربية بالكثير من الحرية . وأصل علاء الدين عطا ملك الجويني من خراسان وقد بدأ نشاطه في خدمة الدولة في وقت مبكر ولما توطد سلطان المغول أصبح جوينى كاتبا خاصا للأمير أرغون الذي كلفه مرتين بالسفر إلى منغوليا . وفي عهد هولاكو وفق جوينى في إنقاذ جزء كبير من مكتبة الإسماعيلية بالموت ، ثم لم يلبث أن عين منذ عام 661 ه - 1262 - 1263 حاكما على بغداد وكان هذا يعنى في واقع الأمر امتداد سلطانه على جميع البلاد العربية الخاضعة لسلطان المغول . وقد جهد جوينى كثيرا في إعادة الحياة إلى ما كانت عليه في المناطق التي قاست من وطأة الغزو
--> ( * ) نشر المعهد الفرنسي بدمشق القسم الخاص بحلب في عام 1953 بتحقيق المستشرق الفرنسي سورديل Sourdel ، والقسم الخاص بدمشق في عام 1956 بتحقيق الأستاذ سامى الدهان . وهذا هو جميع ما نشر من كتاب ابن شداد حتى هذه اللحظة بحسب علمنا . ( المترجم )