اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
368
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في الأماكن التي يقيمون بها 80 . وهو يغتنم أمثال هذه المناسبات في سرده ليبين مهارته الأدبية فيسوق بعضا من قصائده أو يصوغ الوصف في نثر مسجوع تغلب عليه الصنعة ؛ وقد لاحظنا من قبل أن هذا الاتجاه كان خاصا بابن جبير ولكنه لم يغلب لديه بشكل يطغى على خيط القصة أما ابتداء من العبدري فإن نمط الرحلة أخذ يتحول شيئا فشيئا إلى ضرب من يوميات العلماء تتدهور أحيانا لتصبح محاولة من المؤلف ليبرز فيها المدى الذي بلغته معارفه 81 ؛ ويجب أن نستدرك على هذا بقولنا إن العبدري لم ينحدر إلى ذلك المستوى فعلى الرغم من أن أسلوبه لا يخلو من التكلف إلا أنه يكتب في نفس الوقت بحرية ويسر بحيث لا يصل إلى درجة المبالغة الممجوجة التي نلتقى بها لدى ممثلى الأجيال التالية ، أو يجعل من مصنفه مجموعة من التطبيقات الأدبية 82 . ومن المؤكد أنه كان على معرفة بمن سبقوه في هذا الاتجاه ؛ وهو عندما يضمّن وصفه كلاما من المسعودي أو البكري إنما يدفعنا بذلك إلى إعمال الحذر بل وإلى التساؤل هلّا يعتمد وصفه على المصادر المكتوبة دون الملاحظة المباشرة 83 ؛ ومن حسن الحظ أن هذا الرأي الأخير لا يوجد كما رأينا ما يبرره تبريرا كافيا . وهو ينقل في بعض الأحايين عن - - مواطنه ابن جبير ويورد أشعاره 84 ؛ والعبدري بوجه عام يميل إلى الشعر بشكل واضح ويضمن وصف رحلته عددا كبيرا من قصائده الشخصية حتى تلك التي لا علاقة لها البتة بقصة الرحلة نفسها 85 ؛ كما وأنه يختتم رحلته بقصيدة طويلة في وصف الطريق . وقد شبه البعض العبدري بابن بطوطة على غير أساس 86 ذلك أن رواية ابن بطوطة تحتل فيها القصة المكانة الأولى بينما يولى العبدري اهتماما كبيرا للقالب الأدبي . ويجب الاعتراف بأن معرفتنا بالعبدرى ضئيلة للغاية كما أنه لا توجد حتى الآن طبعة لمصنفه 87 ؛ ولإعطاء فكرة عن معدل السرعة التي سار بها تطور العلم نذكر أن الشكوى التي عبر عنها شربونو Cherbonneau في عام 1854 بصدد جهل القراء الأوربيين به لم يمكن تداركها إلا في عام 1940 بفضل دراسة هنرباخ Hoenerbach 88 . وهناك احتمال في أن يكون محمد العبدري الذي لقب احتراما باسم ابن الحاج ابنا لرحالتنا هذا ؛ وهو من مواليد فاس ولكنه توفى بالقاهرة . وقد نال الشهرة قبل كل شئ كفقيه 89 ولو أنه من الطريف أن نلاحظ أن مصنفه الرئيسي الذي أفرده للكلام عن مختلف أنواع البدع يضم بين دفتيه مادة وفيرة في الجغرافيا والاثنوغرافيا ، وهو نفس المصنف الذي قدم كمية هائلة من المعطيات لبحث خاص يتمتع بطرافة كبرى بعنوان « اصطلاحات وفن الطحانين والخبازين في العصور الوسطى الإسلامية » R . Mielck , ( Ferminologie der Mu ? ller und Ba ? cker im islamischen Mittelalter , 1914 90 . ولم تكن رحلة العبدري المصنف الوحيد في بابها فقد قام مغربى آخر يدعى ( أبو عمر عبد اللّه بن رشيد ) النشريسى برحلة طويلة امتدت لبضعة أعوام من 673 ه - 700 ه - 1274 - 1300 بدأها من غرناطة وزار خلالها شمال أفريقيا ومصر والشام ووصف كل ذلك في الأجزاء الخمسة التي تكون