اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
369
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
« الرحلة » 91 . ويحتل مكان الصدارة لديه سير العلماء المقيمين في الموضع التي زارها ووصف المكتبات ودور العلم المختلفة . ولإعطاء فكرة عن ضخامة مصنفه نذكر أن الجزء الثالث منه المحفوظ بالاسكوريال قد أفرد بتمامه للكلام على علماء الإسكندرية والقاهرة بين عامي 585 ه - 1286 و 700 ه - 1300 وذلك عندما كان المؤلف نفسه مقيما بمصر 92 . ومن الطبيعي أن نفترض أن مثل هذه الرحلات العلمية لم تسر في اتجاه واحد فقط أي من الغرب إلى الشرق بل سارت أيضا في الاتجاه المضاد . وتوجد بمكتبة برلين مخطوطة لوصف رحلة ثم تأليفه بمدينة الحلة على نهر الفرات في عام 699 ه - 1299 وهو لمؤلف غير معروف لنا عن قرب ويدعى الفضل بن يحيى الطيّبى 93 . وفي هذا المصنف يرد الكلام عن رحلة لشخص يدعى على المازندراني صحب فيها أستاذه على الأندلسي ، وكانا قد خرجا في رحلتهما من دمشق فمرا على مصر في طريقهما إلى الأندلس وبلاد البربر . ويرد في سياق العرض ذكر لزيارتهما لجزيرة تسمى « جزيرة الرافضة » ( ربما يعنى بذلك جزيرة جربه كما يفترض بروكلمان ) ؛ ويغلب الخيال على الحقيقة عندما يدعى بأنه أمضى ثمانية أيام في الجزر الخضراء ( جزر الأزور Azores ) بالبحر الأبيض ( المحيط الأطلنطى ) في محادثة علمية مع رجل عرف بتفقهه في القرآن هو شمس الدين محمد العالم ، وأنه اضطر لأسفه الشديد إلى مغادرته لأنه كان ينوى الإسراع في العودة ؛ واسم بطل القصة يدفعنا إلى التشكك في صحتها وإلى التساؤل أليست هذه القصة بحذافيرها من نسج خياله وذلك على الرغم من أن مخطوطة كتابه تحدد بالكثير من الدقة مسقط رأسه على أنه بمازندران 94 . وعلى أية حال فإنه يمكن الخروج بنتيجة هامة هي أنه ابتداء من القرن الثالث عشر بدأ طابع الرحلة في « طلب العلم » يطغى على نمط الرحلة وما لبث أن اتسع نطاق انتشاره على ممر القرون حتى بلغ الأوج بوجه خاص في العهد التركي . ويمثل الجغرافيا الإقليمية ( regional ) لهذا العهد بالشام مصنف يتميز بالطرافة وهو للمؤرخ عز الدين ابن شداد ، ويجب ألا يخلط بينه وبين كاتب سيرة صلاح الدين الأيوبي المشهور بهاء الدين بن شداد الذي عاش قبل ذلك بقرن من الزمان . أما اسم مؤلفنا الكامل - - فهو أبو عبد اللّه محمد « * » بن علي بن إبراهيم الحلبي 95 ؛ وأصله من حلب وقد شغل منذ سنى شبابه الأولى مناصب إدارية لدى الأيوبيين وكان يعد خبيرا في شؤون الميزانية والمالية ، الأمر الذي ينعكس بشدة في كتابه 96 . وقد عاش عز الذين في أزمنة خطيرة فقد ولد عام 613 ه - 1217 وأخذ طرفا في النشاط الدبلوماسى لعصره فشارك في النضال العسكري ضد الزحف المغولي . وفي عام 658 ه - 1260 عندما استولت جحافل المغولي على حلب 97 هاجر عز الدين إلى القاهرة وهناك تمتع برعاية الظاهر بييرس والسلطان قلاوون 98 ؛ وفي عام 676 ه - 1277 تمكن من زيارة دمشق ولكنه لم يلبث أن عاد إلى القاهرة وتوفى بها في عام 684 ه - 1285 99
--> ( * ) سقط اسم محمد سهوا في المتن الروسى . ( المترجم )