اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
367
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في أحوال عديدة عن بقية الجغرافيين العرب وهو أن مصنفاته أبعد من أن تكون قد استوفت حقها بعد من الدراسة ولو أن المادة قد تجمعت بصورة متزايدة تسمح من الآن بوضع دراسة خاصة عميقة عن هذا المؤلف ؛ بل إن العرب أنفسهم لم يعودوا في الآونة الأخيرة يبصرون في مؤلفاته مجرد حكايات طريفة فحسب تعج بمختلف العجائب الخارقة من صنع المخيلة 69 ، كما حدث مع أوروبا لزمن طويل . وابن سعيد والقزويني هما أضخم الأسماء التي ظهرت في محيط الأدب الجغرافي لنهاية القرن الثالث عشر وإلى جانبهما تتضاءل أسماء أولئك الرحالة الذين اكتسب كل واحد منهم أهمية معينة في محيطه الخاص ولكنهم لم يلعبوا دورا هاما في المحيط العام ؛ لهذا فإننا تفتقر إلى معلومات كافية عنهم وليس من النادر عن مصنفاتهم أيضا . وليس من محض الصدفة أن الغالبية العظمى منهم قد اتجهت من المغرب إلى المشرق وأن أسفارهم تنضوى تحت النمط المعروف لدينا باسم « الرحلة » ولو أنه اكتسب طابعا خاصا في هذا الميدان . وأحد هؤلاء الرحالة كان أبو محمد العبدري الذي ينتمى في الأصل إلى مدينة بلنسية Valencia على ما يبدو 70 . وتشير النسبة إلى أنه ينحدر من صلب بنى عبد الدار من بنى قصى وهذا الأخير هو الذي تنسب إليه الأسطورة توحيد قبيلة قريش 71 . أما سيرة حياة العبدري فلا نكاد نعلم عنها شيئا ويلوح أنه كان على صلة ما بمراكش لأنه بدأ أسفاره من موغادور Mogadar تاركا أسرته مع قبيلة حاحه 72 . وقد خرج في رحلته يصحبه ابنه في ديسمبر من عام 688 ه - 1289 ووجهته مكة 73 ، وفي البداية سارت الرحلة ببطء في شمال أفريقيا وتوقف الرحالة خلالها وقفات طويلة بالمدن الكبرى . ومن مصر رافق فافلة الحج لأداء الفريضة 74 ثم رجع إلى مصر عن طريق فلسطين فأمضى بعض الوقت بالقاهرة والإسكندرية وغادرها إلى وطنه مارا في طريقه بتلمسان وفاس ومكناسه حتى بلغ أزمور على المحيط وهناك أقام لبعض الوقت حتى تلحق به - - أسرته 75 . هذا وقد أخذ في رحلته طريق البر ذهابا وإيابا وربما دفعه إلى هذا كراهية العرب المعهودة لركوب البحر 76 ؛ وقد بدأ رحالتنا في تدوين وصف رحلته وهو بتلمسان وكرسه بصورة خاصة للكلام على المدن الكبرى بشمال أفريقيا ؛ وابتداء من القاهرة يبدأ الوصف يفقد حيويته وتفصيله 77 أما الرحلة نفسها فتمثل إلى حد ما لونا جديدا عند مقارنتها بمن سبقوه في هذا المضمار وهي تحفل في واقع الأمر بكمية كبيرة من المعطيات الجغرافية إذ يقدم لنا المؤلف وصفا دقيقا وصحيحا للمواضع والبقاع المختلفة مع تفاصيل وافية عن الآثار القديمة وأخلاق السكان المحليين 78 . وقد لاحظ أحد العلماء الأسبان أن عرضه يتميز « بالصدق والدقة في الرواية والحيوية والرشاقة في الأسلوب » ؛ وقد تمكن هذا العالم في أثناء رحلة قام بها في الجزائر وتونس من أن يتحقق بنفسه من دقة ملاحظات العبدري التي تتميز أحيانا بلون محلى خاص 79 . غير أن الطابع الأساسي للمصنف لا تعكسه هذه المعلومات الجغرافية على الرغم من أنها لا تخلو من القيمة بجانب أهميتها ودقتها ، ذلك أن اهتمام المؤلف الرئيسي قد اتجه إلى الحديث عن العلماء الذين التقى بهم والدين تتلمذ عليهم أحيانا ردحا من الزمن