اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
348
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
بقلم فانيان Fagnan . وتحقيقا لرغبة مولاه يعطى المراكشي في القسم الأخير من الكتاب وصفا جغرافيا لدولة الموحدين ولكن يسبقه بالألفاظ الآتية التي يتضح منها أنه يعتبر هذا الموضوع غير مناسب على الإطلاق لمهنة المؤرخ : « وقد رسم مولانا حرس اللّه مجده أن يضاف إلى هذا التصنيف ذكر أقاليم المغرب وتعيين مدنه وتحديد ما بينها من المراحل عددا من لدن برقة إلى سوس الأقصى وذكر جزيرة الأندلس وما يملكه المسلمون من مدنها على ما تقدم فلم ير المملوك بدّا من الجرى على العادة في سرعة الإجابة وامتثال مرسوم الخدمة لوجوب ذلك عليه شرعا وعرفا هذا مع أن هذا الباب خارج عن مقصود هذا التصنيف وداخل في باب المسالك والممالك وقد وضع الناس فيه كتبا كثيرة ككتاب أبى عبيد اللّه البكري الأندلسي وكتاب ابن فيّاض الأندلسي أيضا وكتاب ابن خرداذبه الفارسي وكتاب الفرغاني وغيرها من الكتب المفردة لهذا الشأن المستوعبة له ونحن إن شاء اللّه ذاكرون من ذلك موافقة لرأى مولانا العالي بما يقف به على حدود البلاد ويصور له صورتها على التقريب من غير تطويل جارين في ذلك على ما سلف من عادتنا في سائر الكتب » 66 . من هذا القول يتضح أنه قد وجدت لدى العرب رغبة صادقة للتفريق بين المادتين التاريخية والجغرافية وإخضاع كل منهما لمنهج خاص يقوم على أسس عامة ، ولو أنهم في الواقع لم يتمكنوا من ترجمة ذلك في صورة واقعية . وقد أصبحت مصر الأيوبية التي لم تمسها وطأة الغزو المغولي ملاذا للعلماء من الشرق والغرب - - فكانت بدلك كأنما تتهيأ لتتسنم مركز الثقافة العربية الذي أصبحته بالتالي نتيجة لاستيلاء المغول على بغداد . هذا وقد داوم علماء مصر على الاحتفاظ بالتراث الذي نشأ هناك ، فنلتقى في هذا العصر بمصنفات من أنماط معروفة لنا . فمن جهة يقابلنا ذلك النوع الفريد لجغرافيا الدواوين وهي مراجع إدارية واقتصادية عملت من أجل كتاب الدواوين ، وخير مثال لهذا كتاب ابن مماتي « قوانين الدواوين » الذي لم يكن الوحيد من نوعه . ومن جهة أخرى تجمعت بالتدريج ونمت مادة نمط « الخطط » ، وهي أوصاف تاريخية وإدارية للنواحى والأحياء المختلفة من المدن الكبرى . ولعل خير مثال لهذين الاتجاهين ما يقدمه في مصنفاته الإدارى والجغرافي النابلسي ( توفى عام 641 ه - 1243 ) 67 . واسمه الكامل وهو عثمان بن إبراهيم النابلسي الصفدي يشير إلى أن أصله من فلسطين ، ولكنه عاش بمصر وعمل بها في عهد السلطان الأيوبي نجم الدين أيوب ( 637 ه - 647 ه - 1240 - 1249 ) ولعله لم يتفاد تأثير ابن مماتي حينما وضع مصنفا مماثلا لمصنفه وهو « كتاب لمع القوانين المضيئة في دواوين الديار المصرية » المعروف إلى الآن في المخطوطات فقط . ويبحث القسم الأساسي من الكتاب كما هو الحال عند ابن مماتي في نظام الدواوين المالية المختلفة التي يحتل من بينها مركز الصدارة ديوان الأحباس