اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
340
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
لقد انبعثت فكرته كما رأينا بمرو عام 615 ه - 1218 ، ويبدو لنا الطابع المميز للكتاب من الظروف التي أحاطت بتأليفه 30 . فقد حدث أن جمع ياقوت مجلس للإمام السمعاني ابن صاحب كتاب الأنساب المشهور ودار الكلام حول اسم موضع - - بالجزيرة العربية ورد ذكره في الحديث وهو حباشة . وقد دلل ياقوت معتمدا في ذلك على اشتقاق اللفظ على أنه يجب نطقه هكذا ، أي بضم الحاء ؛ غير أن أحد الحاضرين أصر على نطقه حباشه بفتحها . وقد استعصى على ياقوت أن يجد مرجعا ثقة يدعم به رأيه ، مع اكتظاظ مكتبات مرو آنذاك بالمراجع ، فعجز عن العثور على الشاهد . حينئذ عقد العزم على وضع معجم جغرافى جامع يكون مرجعا عند الحاجة ولا يقتصر على تفسير الأعلام الجغرافية فحسب بل ويبين أيضا نطقها الصحيح . فهو في جوهره إذن من نفس نمط المعاجم اللغوية التي تقابلنا منذ القرن التاسع ؛ بل إن هذا يستبين لنا من ألفاظ ياقوت نفسه عند وصفه للكتاب في بداية مقدمته : « كتاب في أسماء البلدان والجبال والأودية والقيعان والقرى والمحال والأوطان والبحار والأنهار والغدران والأصنام والأبداد والأوثان » 31 ؛ ولهذا السبب فقد أطلق عليه اسم « معجم البلدان » . وبالرغم من اتباعه لدرب مطروق سلكه قبله الكثيرون فإن ياقوت قد خشي أن يتهم بأن هدفه من وضع المعجم كان جغرافيا بحتا ، لذا فقد جهد في أن يدعم معطياته قبل كل شئ بالشواهد من القرآن والحديث 32 . فهو يشير إلى أن آيات الخالق وبراهين قدرته منتثرة على الأرض بأجمعها لذا فإن قراءة الرحلات والاطلاع على وصف البلدان فيه فائدة كبرى وموعظة حسنة ، والرجل الورع ملزم بأن يتذكر ملاحظاته ويدونها أثناء أسفاره لفائدة معاصريه وفائدة الأجيال التالية . وياقوت لا يهمل التفصيل في أهمية المعلومات الجغرافية من الناحية العملية ؛ وهو يعتقد أن النساخ وأهل الأخبار الذين يقفون من الأعلام موقفا غير نقدي كثيرا ما أثبتوا الصور الخاطئة لها 33 ، هذا بينما يحتاج في الواقع إلى ضبط الأعلام جميع صنوف الناس ، فالحكام والمشرعون يحتاجون إلى معرفة تاريخ فتح المسلمين لبلد ما وكيف تم هذا الفتح وذلك لتحديد خراج البلد . كما يجب على أهل الحديث معرفة من اشتهر من أهل بقعة ما من العلماء والمجتهدين ؛ ويهم أهل الطب المعلومات عن المناخ والظروف الطبيعية كما يهم المنجمين مطالع النجوم ليحكموا على طوالع البلاد . ويلزم الشعراء وعلماء اللغة معرفة دقيقة بنطق أسماء الأماكن والأنهار والجبال والآبار كي لا يخطئوا فيصبحوا هدفا لسخرية المثقفين من الناس . ويسوق ياقوت مثالا لهذا شرحا « لمقامات الحريري » - - لعالم جليل من معاصريه كشف عن عجزه التام عندما حاول تحديد مواقع بعض المواضع 34 . وجميع هذه العلل التي يسوقها ياقوت وجيهة في حد ذاتها ، وهي تعطى مرة أخرى فكرة عن تلك الاعتبارات العملية المعروفة لنا من قبل والتي عاونت على ظهور الأدب الجغرافي وتطوره عند العرب ، هذا بالرغم من أن ياقوت لا يوردها بأجمعها . وفي آخر مقدمة المعجم يورد ياقوت في الكثير من التفصيل أسماء السابقين له في مضمار الجغرافيا ،