اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
26
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
غير أن الأمر جد مختلف فيما يتعلق بالجغرافيا الوصفية ، فأوروبا المسيحية قد ترجمت عن طيب خاطر مؤلفات العرب في الرياضيات والفلك والكيمياء إلى اللغة اللاتينية ، إلا أن الاهتمام بالجغرافيا أو التاريخ كما هو الحال أيضا مع الأدب في المدلول الخاص لهذا اللفظ قد انعدم تماما 28 . وحتى الآن لم يعثر على أي أثر لترجمات لمصنفات الجغرافيين والرحالة العرب في الفترة الأولى من القرون الوسطى الأوروبية ، ويبدو أنه لم تمكن هناك معرفة مباشرة بهم بعكس الحال - - مع الفلكيين 29 . إلا أن هذا لا يعنى أن موضوعات منفصلة ، خاصة من محيط القصص والجغرافيا الأسطورية لم تجد طريقها من العرب إلى أوروبا ؛ ويكفى في هذا الصدد أن نتذكر حكاية أسفار القديس براندان Brandan التي تضم بين دفتيها كمية وافرة من العناصر الشرقية 30 . وواحدة من الحالات النادرة التي أثرت فيها النظريات الجغرافية العربية تأثيرا مباشرا على التفكير الأوربى في العصور الوسطى تمس محيط الكارتوغرافيا أكثر من غيره ؛ فمارينو سانودو Marino Sanudo ، وهو إحدى الشخصيات الأوروبية النشطة في بداية القرن الرابع عشر ، قد زود مصنفه « كتاب الأرض المقدسة » Opus Terrae Sanctae ( 1321 ) بخارطة للعالم لتوضيح فكرته المبتكرة التي ترمى إلى محاصرة العالم الإسلامي حصارا اقتصاديا 31 . وهذه الخارطة على هيئة دائرة مركزها أورشليم ومبين عليها بوضوح بحران كبيران متصلان بالبحر المحيط ، كما يظهر عليها ساحل أفريقيا ممتدا امتدادا بعيدا نحو الشرق 32 . فهي إذن تكرار لجميع الخطوط الرئيسية المميزة لخارطة العالم في « أطلس الإسلام » ، مع اختلاف بسيط هو أن مركز الأخير ليس أورشليم بل مكة بالطبع . ومثل هذا الاتفاق أبعد من أن يكون من عمل الصدفة ، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن اهتمام سانودو بالشرق يجيز احتمال معرفته بالمصادر العربية . وعلى أي فهذه الحالة فريدة في نوعها وتقف بمفردها دليلا على فقدان الاهتمام في أوروبا بالجغرافيا الوصفية عند العرب عامة . ولما بدأ العلم الأوروبى اتصاله المباشر بالأصول العربية أخذ الاهتمام بالجغرافيا الوصفية يعادل الاهتمام بالجغرافيا الفلكية . وكان بوستل Postell 33 أول مستشرق يجتذبه الجغرافي العربي أبو الفدا ؛ كما أن أول ذكر لياقوت يرد في محاضرة بتاريخ 20 ديسمبر 1702 ليعقوب جيونوفيس Jacobus Gionovius 34 . وفي عام 1592 طبع بمطبعة المديتشى Medici المشهورة أول نص في الجغرافيا الوصفية ، وهو كتاب اكتسب بالتالي صيتا عريضا أعنى بذلك مصنف الجغرافي العربي المغربي المشهور الشريف الإدريسى الذي عاش في القرن الثاني عشر . وقد جانب التوفيق الناشر حين أعطى الكتاب عنوانا مضللا هو « جغرافيا النوبى » Geographia Nubiensis « * » ، مما ساق بالتالي إلى غير
--> ( * ) أعتقد أن ألفاظ المؤلف هنا قد تسوق إلى اللبس إذ يفهم منها أن هذا العنوان الخاطىء للكتاب تحمله طبعة عام 1592 لا ترجمة عام 1619 . راجع على أية حال كلامه عن الإدريسى في الفصل العاشر . ( المترجم )