اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
25
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
بأهميته العلمية القصوى والتنوع الكبير في فنونه وأنماطه . ففيه تقابلنا الرسالة العلمية في الفلك والرياضيات ، كما تقابلنا الكتب العملية التي وضعت من أجل عمال الدواوين وجمهرة المسافرين . وهو يقدم متعة ذهنية كبرى إذ نلتقى فيه بنماذج أدبية فنية - - رائعة ، صيغت بالسجع أحيانا . والمصنفات الموضوعة من أجل جمهرة القراء يتراوح فيها العرض بين الجفاف والصرامة من جهة والإمتاع والحيوية من جهة أخرى ؛ وهنا تبدو مقدرة العرب الفائقة وبراعتهم في فن القصص . ولقد أثار هذا الأدب اهتماما بالغا بسبب تنوعه وغنى مادته ، فهو تارة علمي وتارة شعبى ، وهو طورا واقعي وأسطورى على السواء ، تكمن فيه المتعة كما تكمن فيه الفائدة - لذا فهو يقدم لنا مادة دسمة متعددة الجوانب لا يوجد مثيل لها في أدب أي شعب معاصر للعرب . وقد أثبت البحث العلمي المعاصر أن مادة الأدب الجغرافي العربي أبعد من أن تكون قد استوفت حقها من الدراسة والاستقصاء حتى في أيامنا هذه ؛ بل الواقع أنها أخذت الآن فقط تدخل بعض الشئ في نطاق البحث العلمي المعاصر بصورة أوسع . 2 - تاريخ دراسة الموضوع . المؤلفات ذات الطابع العام . هدف هذا الكتاب مرت معرفة العلم الأوروبى بالجغرافيا العربية على أطوار مختلفة وبدرجات سرعة متفاوتة وخضعت لتغيرات وفقا للمستوى العام للثقافة ولحالة الاستعراب . وهنا أيضا اختلف مصير كل من الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الوصفية . فمنذ القرن الحادي عشر بدأت في أسبانيا ترجمة المصنفات العربية في الفلك والرياضيات إلى اللغة اللاتينية ، وسرعان ما أصبحت أسماء الغوريثمى Algorithmi ( أي الخوارزمي ) والفراغانوس Alfraganus ( أي الفرغاني ) والباتغنيوس Albategnius ( أي البتانى ) معروفة لدى الجميع ، بل واشتهرت بهذه الصيغ أكثر مما بأسمائها الشرقية الأصلية . وقد أثبت البحث المعاصر أن هذه الترجمات ليست في مستوى يتفق ومطالب العلم الحديث ولكنها على أية حال قد ساعدت على تطور العلم في أوروبا الوسيطة ، وهي المسئولة عن تثبيت الشكل اللاتيني للمصطلحات العلمية العربية التي وجدت طريقها إلى عدد من العلوم ولا زالت مستعملة إلى الآن . وهذه الترجمات لم يكن بوسعها بالطبع إعطاء فكرة عن تطور العلم عند العرب كما لم تقدم صورة تامة عن مجهودات كل عالم في محيط علمه . ذلك أن الاهتمام بمثل هذه المسائل لم يكن قد نشأ بعد ، فضلا عن أن البحث فيها لا يتأتّى إلا بالتعرف على الأصول العربية نفسها . ومهما يكن من شئ فإن أوروبا قد تعرفت بفضل هذه الترجمات على الجغرافيا الفلكية عند العرب قبل زمن طويل من نشأة علم الاستعراب . والتأثير المباشر لمثل هذه المصنفات على تطور العلم الأورونى قد بدأ مبكرا جدا ، وهو الآن أمر مؤكد متفق عليه من الجميع .