اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

293

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الوسيطة بل ويعتبر أي زعم من هذا القبيل ضربا من « الهذيان العلمي » Scientific Hallucinations 169 . وإذا وجد ثمة تأثير فإنه دون ريب لم يكن للإدريسى نفسه بل للوسط الذي أمضى فيه زهرة عمره ؛ وبعض مؤرخي الجغرافيا والمسائل الملاحية يعللون هذا التأثير بأن أهل صقلية كانوا أساتذة الجنويين في الملاحة وأن الأخيرين نقلوها بدورهم إلى الإسبانيين والبرتغاليين والفرنسيين والإنجليز على التوالي 170 . هذا بلا ريب أمر لا تربطه علاقة مباشرة بالنشاط الجغرافي للإدريسى الذي يرجع الفضل في التعريف به إلى الاستعراب الأوروبى ، لا في القرن السابع عشر حين استعمل ملخص للكتاب بل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حين أصبح في حيز الإمكان الاتصال بأصل الكتاب اتصالا مباشرا عن طريق مخطوطاته الأصلية . وقد اقتنع العلماء بصعوبة العمل في كتاب الإدريسى كوحدة قائمة بذاتها وذلك لتعدد الأقطار التي يصفها وتنوع المادة التي يوردها ، لذا فإنه بعد المحاولة الفاشلة التي قام بها جوبير لترجمة الكتاب ترجمة كاملة اهتدى البحاثة إلى أن المنهج الصحيح هو الاقتصار على دراسات محددة لكل قطر من الأقطار المختلفة . ووضع هارتمان Hartmann اللبنة الأولى لهذا منذ القرن الثامن عشر ببحثه عن أفريقيا عند الإدريسى 171 ، وهو بحث وإن عفى عليه الزمن إلا أنه كان بالنسبة لعصره مجهودا محمودا . وكان البحث المشهور لدوزى Dozy ودى خويه De Goeje 172 عن أسبانيا وأفريقيا الشمالية أول خطوة جدية في هذا المضمار ، وقد أتم هذا البحث وأضاف إليه فيما يتعلق - - بأسبانيا العلامة سافدرا Saavdra 173 . ونفس هذه الدرجة العالية تتمتع بها دراسة الأجزاء الخاصة بإيطاليا وصقلية على يد أمارى Amari ، واسكيابارلى Schiaparelli 174 ، وهي دراسة هامة أيضا فيما يتعلق بمسائل عامة تتصل بدراسة الإدريسى . والجزء الأقل أهمية من ذلك وهو الذي أفرده الإدريسى للشام وفلسطين قد ترجم ونشر عدة مرات ( جلدمايستر Gildmeister 175 وبراندل Brandel 176 ومدنيكوف Mednikov 177 ) ، كما قدم توماشك تحليلا ممتازا لمادة الإدريسى عن شبه جزيرة البلقان ، ولكن لم ينشر النص أو ترجمة كاملة له . ولا تخلو من الأهمية في الجوانب المتعلقة بها تلك الدراسات التي نوهنا إليها من قبل فيما يتعلق بالهند والشرق الأقصى . وقد انبعث الاهتمام بالإدريسى من جديد في السنوات الثلاثينات بصفة خاصة ، ويرجع الحافز إلى هذا نشرك . ميلر لخارطاته . والدراسات التي ظهرت في تلك الآونة كانت ذات علاقة مباشرة بأراضي اتحادنا السوفيتى ، ونخص بالذكر منها أبحاث تالغرين توليو Tallgren - Tuulio . وقد كانت نقطة الابتداء في دراسته وصف فنلندا لدى الإدريسى ، ولكنه لم يلبث أن أخضع لبحث عميق الأجزاء التي تمس الدنمارك والنرويج والسويد وألمانيا الشمالية واستونيا وشبه جزيرة كولا وشمالي روسيا ومناطق الدنيبر الأعلى . ونظرا لتطبيقه مناهج جديدة في الدراسة فقد أثار عددا من المشاكل والاعتبارات الخاصة ؛