اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
294
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وبوجه عام فإن أبحاثه تمثل خطوة جديدة في دراسة الإدريسى عامة ، ويجب أن يعمل لها حساب خاص بصرف النظر عن المنطقة التي اختارها موضوعا لبحثه 178 . ولا تخلو من فائدة رغم هدفها المتواضع دراسة هنرباخ Hoenerbach لوصف الإدريسى لألمانيا والبلاد المجاورة لها ، وكذلك مقال لقتسكى Lewicki عن وصف الإدريسى لطريق من الطرق الخارجة من كييف . ولا شك أن الوضع الآن فيما يتعلق بالإدريسى أفضل بكثير مما كان عليه في نهاية القرن الماضي ، بحيث أصبح في الإمكان تقديم طبعة كاملة وترجمة « لنزهة المشتاق » . وقد فكر فيران Ferrand وغودفروا ديمومبين G . Demombynes في مثل هذا العمل بالفعل ولكن لم يكتب له أن يرى النور بسبب وفاة الأول . وفي الأعوام الأخيرة ترددت الفكرة أكثر من مرة ، في هولندا حين ظهرت فكرة إخراج طبعة جديدة « لمكتبة الجغرافيين العرب » Bibliotheca Geographorum Arabicorum ، وكذلك في المؤتمرات الجغرافية المنعقدة بإيطاليا حيث دار الكلام بشكل خاص عن الخارطات 179 . هذا وقد تضافرت حوادث الأعوام الأخيرة مع عسر المهمة نفسها على تأجيل تنفيذ هذا العمل إلى أجل غير مسمى « * » . وفي خلال المائة عام التي أعقبت ظهور ترجمة جوبير أخذت صورة المصنف الجغرافي الأكبر للإدريسى تبدو واضحة المعالم بفضل الدراسات المستقلة لأجزائه المختلفة . كما توكد أكثر من ذي قبل صدق الحكم الذي أصدره عليه رينو R . inaud منذ مائة عام تقريبا - - حين قال « والإدريسى في بعض النقاط قد ساعد بالأحرى على تقهقر العلم بدلا من تقدمه ، غير أن مصنفه على وجه العموم يمثل صرحا هائلا في ميدان الجغرافيا ، يشبه في هذا الصدد مؤلف استرابون Strabon 180 » . ولن يفكر أحد الآن في منازعة رأى بارتولد الذي يبصر فيه « محاولة للتنظيم والترتيب ولكن على حساب الدقة والتثبت » . ورغما من كل هذا فإن الجميع يوافقون أمارى في اعتباره الكتاب « أفضل رسالة في الجغرافيا وصلتنا عن العصور الوسطى » 181 سواء من الشرق أو الغرب ؛ وعلى هذا الحكم يقف الآن إجماع آراء المستعربين ومؤرخي الجغرافيا على السواء 182 . وإذا ما رأى الأكفانى في الإدريسى رحالة فقط وأشار إلى « جوبه الآفاق » فإن حكمه هذا يبعد كثيرا من الصحة ، ذلك أن الإدريسى في حقيقة الأمر عالم جغرافى . أما الرحالة جواب الآفاق فقد كان معاصره الأكبر منه سنا أبو حامد الغرناطي ، بالرغم من أنه لم يدون انطباعاته عن الطريق في شكل ملاحظات بل أحيا النمط الأدبي القديم « لكتب العجائب » فصنف مؤلفا ذا طابع كوزموغرافى بحت ؛ وهو في هذا ربما كان واضع لبنة جديدة في الأدب الجغرافي العربي . وقد ولد بغرناطة عام 473 ه - 1080 وكان اسمه الطويل بما يصحبه من كنى وأنساب مدعاة إلى الخلط الذي حدث أكثر من مرة ،
--> ( * ) تواترت الأخبار أخيرا بتأليف لجنة من المستشرقين بإيطاليا لتتولى هذه المهمة ، ومن المعتقد أن العمل سيوزع على عدد من العلماء من مختلف البلدان ليدرس كل واحد منهم المنطقة التي تمثل ميدان تخصصه . ( المترجم )