اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

288

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

تدل على أنه بجانب اعتماده فيما يبدو على رواية الجيهانى فإن الإدريسى يورد عددا من الأسماء لم يمكن العثور عليها في مصنفات المؤلفين الآخرين 120 . ويمكن الحكم على مصادر الإدريسى لا من تحليل أقسام الكتاب المختلفة فحسب ، بل ومن ملاحظاته الشخصية في افتتاحية الكتاب كما رأينا ذلك في حينه . ومن العسير القول بأنه استهدف استيعاب جميع المصادر المكتوبة التي كانت في متناول يده . ونصف مجموع الأسماء الجغرافية التي يذكرها يرجع في الأصل إلى مؤلفين معروفين لنا جيدا من أمثال ابن خرداذبه واليعقوبي وقدامة والمسعودي والجيهانى وابن حوقل ؛ وقد مر بنا الكلام في أول هذا الفصل عن مصدر آخر له هو العذرى ، أما إسحاق بن المنجم فإن نالينو يحاول أن يجعل منه مؤلف النص الذي نشرته كوداتسى Codazzi 121 . والكاتبان الآخران اللذان أورد الإدريسى اسميهما واللذان ما زالت شخصيتاهما مجهولتين لنا تماما فإن أحدهما يمثل بالنسبة لنا أهمية خاصة وهو جاناخ بن خاقان الكيماكى الذي يرجع أصله كما يبدو من الاسم إلى قبيلة كيماك التركية بآسيا الوسطى . ومن المؤلفين الذين كتبوا باللغات الأوروبية لا يذكر الإدريسى سوى بطلميوس وأوروسيوس Orosius ( هروشيش ) « * » مؤلف الجغرافيا العامة الشهير - - الذي عاش في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي والذي كسب شهرة عريضة في أوروبا الوسيطة . ويقينا أن مصادره لم تقف عند هذا الحد فلدينا علم بأسفار وبعثات أرسلها روجر ، ولكن يلوح أن الإدريسى قد أفاد إلى جانب هذا من كثرة تسآله واستفهامه من الرحالة والحجاج . وقد لوحظ مرارا موقفه غير النقدى من مصادره ، سواء المدونة أو السماعية . ولن يدهشنا في شئ اهتمامه بالكلام عن يأجوج ومأجوج 122 فقد شغلا مكانة كبيرة في كل من الجغرافيا العربية والجغرافيا الأوروبية في العصور الوسطى . كذلك يلوح أنه قد وضع أسطورة حياة القديس براندان St Brandan 123 موضع الاعتبار فجعل منها مادة جغرافية ذات قيمة ؛ كما يضحى من الميسور أن نفهم سبب اتباعه لرأى بطلميوس القائل بأن الطرف الجنوبي لأفريقيا متجه نحو الشرق وأن الأراضي الواقعة جنوبي خط الاستواء غير مأهولة 124 . وحتى في وصفه لمدينة قريبة منه كرومه يفعل ذلك في أسلوب يذكر بحكايات « ألف ليلة وليلة » ، معيدا في هذا الصدد قصة ابن خرداذبه تارة وقصة يهودي « تائه » ( Wandering Jew ) تارة أخرى 125 . لقد برهنت دراسة الإدريسى منذ بداية القرن العشرين على أن تحليل متن كتابه لا يمكن أن يتم إلا بتحليل مماثل لخارطاته جنبا إلى جنب مع المتن . غير أن هذا لم يصبح ميسورا بصورة قاطعة إلا في العشرينات من هذا القرن فقط ، وذلك بعد أن نشر ميلر جميع المادة الكارتوغرافية المعروفة في المخطوطات العربية والفارسية . بيد أن مسألة العلاقة بين متن الإدريسى وخارطاته ليست من السهولة بالدرجة التي

--> ( * ) عرفه العرب باسم هروشيش ، راجع عنه وعن تاريخه ودوره كمصدر بالنسبة للمؤرخين والجغرافيين العرب مقال الدكتور حسين مؤنس عن الجغرافيا والجغرافيين في الأندلس . ( المترجم )