اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
285
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
لذا فإنه من الواجب إلى يومنا هذا الاعتماد على المخطوطات أو على الدراسات المفردة للأقسام المختلفة من الكتاب ، وبهذه الطريقة وحدها يمكن تقدير كتاب الإدريسى في مجموعه تقديرا صحيحا . وإلى جانب العنوان المشهور الذي مر ذكره آنفا فإن كتاب الإدريسى يحمل أيضا عنوانا آخر واسع الانتشار هو « كتاب رجّار » أو « الكتاب الرجّارى » نسبة إلى راعيه وولى نعمته . وليس هناك في الواقع أساس للتشكك في أن الكتاب قد تم تأليفه في يناير 1154 ، ولكن يجب ألا يفهم من هذا أن الأدريسى لم يجر فيه بيد التعديل والإضافة ؛ ويستدل من التباين في المخطوطات على إمكان وجود مسودات شتى للكتاب . وقد استطاع الجغرافي الإيطالى باردى G . Pardi أن يستخلص 92 من إغفال ذكر مدينة اسبوليتو Spoleto ، التي خربت بعد وفاة روجر ، أن المسودة الثانية للكتاب ، إذا جاز القول بذلك ، قد تم إعدادها بعد يوليو 1154 93 . وطريقة ترتيب كتاب الإدريسى بسيطة بالرغم من أنها لا تخلو من آثار الصنعة . فهو يقدم لنا في أول الأمر وصفا موجزا للأرض التي يتصورها على شكل كرة طول محيطها اثنان وعشرون ألفا وتسعمائة ميل ومعلقة في الفضاء « كالمح في البيضة » . وبعد وصف قصير للأقاليم والبحار والخلجان ينتقل إلى وصف سطح الأرض بالتفصيل . وهو يتبع في هذا مذهب بطلميوس المعروف لنا بتقسيمه الأرض إلى سبعة أقاليم ، أي أحزمة عريضة فوق خط الاستواء ، غير أن الإدريسى أدخل على ذلك تجديدا بتقسيمه لكل إقليم من هذه الأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام رأسية هي التي يتفرغ لوصفها في كتابه الواحد تلو الآخر مبتدئا من الغرب ومتجها نحو الشرق . وكل وصف لقسم من هذه الأقسام يرتبط بخارطة ، بحيث إذا ضمت هذه الخارطات السبعون الصغيرة إلى بعضها البعض لتكوّن - - من ذلك خارطة عامة لكل العالم على شكل مستطيل ، الأمر الذي يستحيل فعله مع « أطلس الإسلام » 94 « * » . ويبدو جليا أن العيب الأساسي لمثل هذا المنهج هو في أن وصف قطر ما يأتي موزعا بين عدد من القطع الصغيرة المبعثرة هنا وهناك ، بحيث يتطلب جمعها مجهودا ملحوظا . وأهم الأقسام بالطبع هي تلك التي أفردها لأفريقيا الشمالية وأسبانيا وصقلية ونواحي إيطاليا الأخرى لأنها تعتمد قبل كل شئ ، وذلك خلافا للأقسام الأخرى ، على الملاحظة الشخصية للمؤلف 95 . كذلك ينم وصفه لأوروبا الغربية ( فرنسا وألمانيا واسكتلنده وإيرلنده وسواحل بحر الشمال ) عن المقدرة والمهارة التي اقتضتها الظروف العلمية لذلك العهد . وقد بلغت معرفة الأدريسى شمالا بلاد البطليق فعرف سغتونا Sigtuna ( « سقطون » ) وفنمارك Finmark ( « فنمارك » ) وتاقستلاند Tavastland ( « طبست » ) .
--> ( * ) تم بالفعل ضمها بعضها إلى بعض وإخراج خارطة كبرى موحدة اهتم بطبعها المجمع العلمي العراق وخرجت ببغداد منذ أعوام . ( المترجم )