اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

286

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

أما ألمانيا وبولندا وروسيا فإن وصفها يرد في دقة أقل بكثير ولو أنه لا يخلو من اشتماله على مجموعة من المعلومات الهامة 96 . وقد ظفرت رومانيا وسائر شبه جزيرة البلقان بتفصيل كثير ربما مرده إلى الحملات الصليبية التي كانت قد بدأت منذ عام 1064 ، وأيضا إلى نمو العلاقات التجارية بين الغرب الفرنجى - الروماني والشرق الإغريقى - الصقلبى 97 . ويمكن اعتبار تحليل توماشك Tomaschek لرواية الإدريسى عن البلقان أنموذجا لبقية أقطار أوروبا . فمادة الإدريسى في هذا الصدد تمثل في جوهرها تقريرا عن الأحوال التجارية ، فضلا عن أن الطرق التي يصفها هي بدورها الطرق التجارية 98 . وكانت شواطئ نهر الطونه Danube في عهد الإدريسى تتمتع بشئ من الهدوء فكان يرد إليها بالتجارة مختلف الشعوب كالإغريق والبلغار والولاخيين ( الأفلاق ) Wallachians والقومان Komans « * » . وفيما بعد لعبت دورا كبيرا في تلك التجارة الجمهوريات البحرية مثل البندقية Venice وجنوا Genoa وتلتهماراغوزة Ragusa ؛ ثم أخذ طرفا بالتدريج تجار روسيا وبولندا والمجر وتلتها النمسا وبقية البلاد الألمانية إلى حدود الفلاندر Flanders 99 . وقد استطاع الإدريسى أن يكوّن فكرة عن أهم المراكز والطرق التجارية برومانيا من خلال استماعه إلى روايات التجار من العرب واليهود والإغريق والفرنجة ؛ وتمثل روايته في هذا الشأن محاولة مبكرة لم يستطع أن يقوم بها أحد في بيزنطة في ذلك العهد بالرغم من مجاورة بلادهم لتلك الأصقاع ؛ وهي لن تفقد قيمتها على مر الزمن 100 . ومعطياته عن الجغرافيا الطبيعية للبلقان طفيفة ولكنه يقدم لنا الكثير في مجال التاريخ ، وأكثر من ذلك في وصف الوضع الاقتصادي للإمبراطورية البيزنطية وبلغاريا في القرن الثاني عشر 101 . ولم يخل الأمر بالطبع في حالات معينة - - من ضرورة إيضاح بعض المسائل الغامضة ؛ مثال ذلك أنه من غير المستطاع الاعتماد على الإدريسى فيما يتعلق بتحديد المسافات والأبعاد بوجه خاص 102 . وهو حين يتكلم عن الميل لا يتضح دائما ما إذا كان يقصد بذلك اللوغا Leuga الفرنجية أم الميليا Miglia الإيطالية أم الميل العربي 103 . كذلك يحيط نفس هذا الاضطراب بمفهوم مرحلة الطريق لديه وهي التي كان يستعملها جنبا إلى جنب مع الميل . وعلى أية حال فقد أثبت توماشك بصفة عامة أنه فيما يتصل بالمسافات القصيرة فإن الميل يساوى لديه ألفا وخمسمائة وخمسة وخمسين مترا ( أي أنه أقل من الميل العربي المعتاد الذي يبلغ طوله ألفا وثمانمائة وثمانية وسبعين مترا ) ، بينما تبلغ المرحلة البحرية نحوا من المائة ميل في اليوم ( 155 كيلومترا ) 104 . وفي تحديده للطريق البرى بين كييف Kiev وفلاديمير فولنسكى Vladimir Volynskl وكّدلفتسكى Lawicki صحة مقاس الميل 105 ولكنه اختلف فيما يتعلق بمقاس المرحلة اليومية ، إذ لا يمكن في رأيه أن تتجاوز العشرين ميلا ( 11 و 31 كيلومترا ) 106 .

--> ( * ) شعب من العنصر التركي كان يقطن سهوب روسيا الجنوبية وعرفه الروس باسم البلوقتسيين Polovtsi وعرفته المصادر الإسلامية باسم القپچاق . أما اسم القومان فهو الموجود بالمصادر البيزنطية واللاتينية . ( المترجم )