اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
272
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الفصل العاشر جغرافيو القرنين الحادي عشر والثاني عشر بالمغرب تكاد جميع المصنفات الجغرافية الكبرى التي تحدثنا عنها حتى الآن ترتبط بمشرق العالم الإسلامي ، وهذا دون ريب لا يعنى أن غرب العالم الإسلامي ، أقصد المغرب والأندلس بالذات ، لم يأخذ بنصيبه في التطور العام لهذا الأدب ؛ غير أن الأدب الجغرافي في تلك الأقطار اتخذ صبغة محلية وقلما كان يخرج عن نطاق البلاد التي ظهر فيها ، كما وأنه لم يبرز إلى الوجود مصنفات نالت انتشارا عاما . ويمكن القول بأن التطور الأدبي ربما تأخر بعض الشئ هنا ؛ صحيح إنه يقابلنا حتى في العهود المبكرة ممثلون ذوو باع طويل في الجغرافيا الإقليمية مثل الرازي Elmoro Razis أو الرحالة الطريف في نظرنا إبراهيم بن يعقوب ، غير أنه فقط في النصف الثاني من القرن الحادي عشر انبعثت مؤلفات معروفة لنا معرفة مباشرة وظفرت بمكانة رفيعة في المشرق نفسه . وفي هذه الآونة تعرضت البلاد العربية لغير قليل من الحوادث التي وجهت ضربات قاضية إلى وحدة العالم الإسلامي ، بالرغم من أن تلك الوحدة كانت في غالب الأحوال ليست سوى فكرة في أذهان الناس . ففي نحو عام 1050 للميلاد تعرض النصف الشرقي من العالم الإسلامي لغارة السلاجقة ، بينما وقعت صقلية بأجمعها وجزء هام من أسانيا بل ومن حين لآخر بعض المواضع على ساحل أفريقيا الشمالي تحت سيطرة المسيحية . وفي نفس ذلك الوقت بدأت تختمر في أوروبا الفكرة الصليبية وأخذ العالم الإسلامي ينكشف بالتدريج للمسيحيين ؛ كذلك خفّت بعض الشئ حدة العلاقات السياسية بين العالمين ، ولكنها سرعان ما عادت سيرتها الأولى فترة من الزمن إبان حكم السلاجقة والأيوبيين في خلال صراعهم العنيف ضد الصليبيين . بيد أن جميع هذه الأحداث لم تؤثر في النظريات الأساسية التي سادت الأدب الجغرافي ، ويمكن فقط أن نلحظ بعض المحاولات إلى الاقتراب من الجغرافيا الفلكية . فمثلا في نسخة معدلة لمصنف ابن حوقل يرجع تاريخها إلى عام 1064 لا تظهر خارطة العالم مستديرة بل تتخذ شكلا إهليلجيا ( elliptic ) ، مما يتفق مع الفكرة الفلكية عن المعمورة 1 . ومن الملاحظ أن تطور العلوم الجغرافية في الأندلس كان أبطأ مما في المشرق ، فمنذ القرن الحادي عشر نلاحظ الاهتمام بأنماط كانت قد بدأت تتقهقر في المشرق إلى الصف الثاني هذا إذا لم تكن قد اختفت تماما . - - ويقدم لنا مثالا طريفا المحدث الأندلسي المشهور ابن عبد البر النمري القرطبي ( 368 ه - 463 ه - 978 - 1071 ) الذي اكتسب شهرة واسعة كعالم في الحديث ، وقد أخذ العلم بقرطبة التي كانت لا تزال