اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
255
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في أنه قد حدث له أن لعب دور المنجم شأنه في هذا شأن جميع فلكيى ذلك العصر والوسط . أما القول بأنه كان المنجم الرسمي لبلاط محمود العزنوى كما تصوره بعض المصادر المتأخرة فأمر مشكوك فيه ، ولكنه يظهر في حالات معينة في هذا الدور محاولا فيما يبدو أن يفسح المجال لغلبة العناصر العقلية كما فعل في كتابه « التفهيم » 85 . وبخلاف الفصل الذي مر ذكره فقد أفاد ياقوت على وجه العموم كثيرا من كتاب البيروني هذا ؛ والخلاصة التي عملها فيدمان 86 له تعطى فكرة ما عن مقدار ما يدين به ياقوت إليه ؛ كما أن أبا الفدا قد عرفه جيدا 87 . وثمة دليل على سعة انتشاره هو العدد الهائل من المخطوطات الذي وصلنا منه ؛ وإحدى هذه المخطوطات وهي ليست بأفضلها قام بنشرها بالزنكوغراف في عام 1934 رمزى رايت Ramsay Wright وزودها بترجمة إنجليزية مرافقة للمتن ، وهي تستند أساسا على الرواية الفارسية للكتاب . ولا تزال طبيعة العلاقة بين الروايتين العربية والفارسية غير واضحة تماما حتى الآن ، وظهر رأى يقول بأن كليهما بقلم أبى الريحان 88 غير أن علمنا بموقفه من الفارسية يدفعنا إلى أخذ هذا الرأي بالكثير من الحذر . و « كتاب التفهيم » على عكس مؤلفات البيروني الأخرى لم يرفع إلى واحد من الحكام بل إلى سيدة من خوارزم تسمى ريحانة ابنة الحسين ، كانت على ما يلوح كثيرة الاهتمام بمسائل العلوم الدقيقة . ويمكن الافتراض بأنها كانت تنتمى إلى الأسرة الحاكمة بخوارزم وأنها قد رحلت إلى غزنة مع بقية أفراد أسرتها عندما أجلاهم محمود معه . أما القول اعتمادا على هذا بأن - - البيروني كان موجودا وقت تأليف الكتاب بخوارزم فهو قول لا ينهض على أساس 89 . ومن ناحية الشكل نجد أن هذا الكتاب يختلف عن بقية مؤلفات البيروني فهو معروض على هيئة أسئلة وإجابات ، وهو أمر كما يقول المؤلف « أحسن وللتصور أسهل » 90 . ولعل البيروني لم يتنكب الصواب في حكمه هذا لأن ذلك الكتاب بالذات يمثل موسوعة مبسطة لعدد من علوم عصره ونال انتشارا واسعا على ما يبدو من عدد المخطوطات الموجودة منه . أما كتاب البيروني الذي كسب له الصيت والمجد في الدوائر العلمية الأوروبية ، وأعنى به كتاب « الهند » فهو ينتمى إلى طراز آخر من المؤلفات ويقف فريدا في نوعه إلى يومنا هذا . ولا حاجة بنا إلى الكلام عنه بالتفصيل ، فمنذ أكثر من خمسين عاما قدم روزن عنه تحليلا قيما وكّدت قيمته على ممر نصف قرن من الزمان الاكتشافات التالية ولا يزال محتفظا بحيويته وجدته إلى أيامنا هذه . أما معرفة الدوائر العلمية به فندين بها إلى المستشرق زاخاو الذي ترجمه إلى الإنكليزية ونشر متنه العربي في الثمانينيات من القرن الماضي اعتمادا على مخطوطة ترجع إلى عام 554 ه - 1159 منقولة عن الأصل الذي كتبه المؤلف بخط يده . ومن المستحيل اعتباره كتابا جغرافيا بالمعنى الضيق للفظ ؛ وهدف المؤلف الحقيقي يبدو في العنوان الكامل للكتاب وهو « تحرير ماللهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة » 91 . فالمكانة الأولى عنده