اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
256
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
إذن تحتلها الحضارة الروحية للهند ، وقليل من فصوله الثمانين يمس موضوعات جغرافية بحتة . فمقدمة الكتاب مثلا تعرض للهند عامة ، ويضم الفصل الثامن عشر ملاحظات متفرقة عن الأرض والأنهار والأوقيانوس المحيط وعن اتساع الأقطار المختلفة . وفي الفصل الخامس والعشرين يرد الحديث عن أنهار الهند ومنابعها . ويجب أن يضم إلى هذا بكل تأكيد المجموعة الهائلة من المعلومات الاثنوغرافية المتناثرة بالكتاب ، وكذلك الفصول الهامة التي يعالج فيها الكلام عن ديانة الهند وحياتها الفكرية 92 . وتتخذ أهمية استثنائية ظاهرة خاصة هي أنه إلى جانب المجموعة الضخمة من المادة الجغرافية التي يحتويها الكتاب بصفة عامة فهو يكشف عن معرفة عميقة بالتصورات الجغرافية والكوزمولوجية لدى الهنود 93 وبالتالي يوضح لنا الكثير من المسائل المتعلقة بالتاريخ المبكر للعلوم والآداب الجغرافية العربية . أما طريقة العرض فتتشابه في جميع الفصول ، فالمؤلف بيدأ بسوق ملاحظات عامة تعقبها مقتطفات موثوق بصحتها من المؤلفين الهنود ، ثم ينظر في المسائل التي عالجوها ويقارنها بنظريات المسلمين واليونان والإيرانيين معلقا على هذا بملاحظاته الشخصية الفذة . أما ما يحفل به الكتاب من مادة علمية فهو شئ يقف نسيج وحده ولا يوجد له أي مثيل 94 . - - وللبيرونى كتابان كبيران معروفان لنا يرجع تاريخهما إلى الأعوام العشرة الأخيرة من حياته ، إذ تم تأليفهما في عهد السلطان مودود ( 432 ه - 440 ه - 1041 - 1048 ) حفيد محمود الغزنوي الذي توفى في عام واحد مع البيروني . أحدهما هو مصنفه في المعادن بعنوان « كتاب الجماهر في معرفة الجواهر » الذي يبحث في المعادن والفلزات خاصة الأحجار الكريمة حيث يفرد لما يقرب من الخمسين منها فصلا خاصا لكل واحد . وقد نشر الكتاب منذ عهد غير بعيد المستشرق كرنكو Krenkow بحيدرأباد ( 1355 ه - 1937 ) في طبعة تمكن من إعطاء فكرة واضحة عن الكتاب ، كما أن عددا من المقالات والأبحاث قد بينت أهمية مادته لا من الناحية العلمية الخالصة فحسب بل ومن ناحية التاريخي الحضارى كذلك 95 . وقد جمع فيه البيروني بين أبحاث قام بها على أساس تجربة طويلة الأمد ومعرفة جيدة بالأدب العلمي من جهة والأدب الفنى من جهة أخرى ؛ ولم يقتصر في ذلك على الأدب العربي وحده . بل أفسح المجال لآداب اللغات الأخرى . ويمكن تكوين فكرة عن مصادره من الدراسة القيمة التي أفردها لذلك محمد يحيى الهاشمي ، فمن بين المصنفات الجغرافية الأصيلة أفاد بصورة خاصة من مصنفات المدرسة الكلاسيكية للجغرافيين العرب ومن الجيهانى كذلك . وكمية المادة الجغرافية في هذا الكتاب كبيرة للغاية سواء كانت في شكل ملاحظات قصيرة أو قصص مفصّلة ، غير أن استخراج هذه المادة يتطلب جهدا كبيرا لا يقل بحال من الجهد الذي تتطلبه المصنفات من هذا الصنف ، وذلك إما بمعاونة الفهرس أو بفحص الفصول المختلفة الخاصة بكل معدن أو فلز على حدة . ومن هذا الطراز نفسه « كتاب الصيدنة في الطب » ، وهو آخر مؤلفات البيروني ، ولعله لم يتممه .