اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

252

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

منها في الشرايين والأوردة ، وإن كانت كل أمة تستحلى لغتها التي ألفتها واعتادتها واستعملتها في مآربها مع ألّافها وأشكالها . وأقيس هذا بنفسي وهي مطبوعة على لغة لو خلّد بها علم 55 لاستغرب استغراب البعير الميزاب والزرافة في العراب 56 ثم متنقلة إلى العربية والفارسية فأنا في كل واحدة دخل ولها متكلف والهجو بالعربية أحبّ إلىّ من المدح بالفارسية 57 . وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي كيف ذهب رونقه وكسف باله واسود وجهه وزال الانتفاع به إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية » 58 . وهكذا فلم يمنع الشعور القومي الإيراني البيروني من تفضيل اللغة العربية على الفارسية ؛ وهو وإن أبدى في ذلك بعض المبالغة إلا أنه بقي مخلصا لهذا الرأي طول حياته . وقد دون البيروني مصنفاته بكل تأكيد بالعربية التي كان بلا شك يمتلك ناصيتها ، سواء في الأسلوب العلمي الصارم في مجال الرياضة والفلسفة أو في الأسلوب القصصى البسيط الذي يحفل به خاصة أحد مصنفاته الأخيرة وهو كتابه - - في « الجواهر » . ورغما من هذا فإن العربية لم تكن لغته الأصلية ، ولعل هذا من الأسباب التي أكسبته أسلوبا خاصا لا يمكن بأية حال اعتباره سلسا . وفي مؤلفاته للخاصة يبدو ميله إلى الإيجاز الشديد ؛ وهو نفسه يعترف بأنه لا يكتب من أجل المبتدئين ، ولكنه حتى في العرض القصصى العادي يجنح من وقت لآخر إلى الخروج عن المألوف المستعمل بل ويضحى أسلوبه عسرا وعرا يحتاج فهمه إلى إعمال الجهد . وقد تؤدى دراسة أسلوبه الكتابي إلى نتائج طريفة لو تفرغ لذلك أحد العلماء 59 . وبالرغم من اعترافه بأفضلية اللغة العربية على غيرها من اللغات فإن هذا الحكم لم يخف عليه مناقصها ، فهو يقف موقفا سلبيا تاما من رسمها ، ففي كتابه « الصيدنة » يقول « * » : « ولكن للكتابة العربية آفة عظيمة هي تشابه الحروف المزدوجة فيها واضطرارها في التمايز إلى نقط العجم وعلامات الإعراب التي إذا تركت استبهم المفهوم منها . فإذا انضاف إليه إغفال المعارضة وإهمال التصحيح بالمقابلة ، وذلك من الفعل عام قومنا ، تساوى به وجود الكتاب وعدمه بل علم ما فيه وجهله . ولولا هذه الآفة لكفى نقل ما في كتب ديسقوريدس وجالينوس وبولس وأوريياسيوس المنقولة إلى العربي من الأسامى اليونانية ، إلا أننا لا نثق بها ولا نأمن التغايير في نسخها » 60 . وعواطف البيروني نحو الشيعة التي تنعكس في كتابه « الآثار البافية » قد اختفت بمرور الزمان ؛ ومن المحتمل أن يكون قد اضطر إلى خنق هذه العواطف فيما بعد أثناء إقامته في الوسط السنى المتطرف لبلاط محمود الغزنوي . غير أن منهجه في التفكير يدل على أن مثل هذه المسائل لم تمسه كثيرا وأن بعض الميول التي عرفها أيام شبابه قد حل محلها عدم الاكتراث بها 61 .

--> ( * ) هذه الفقرة والسابقة لها نقلتهما عن مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ل 3014 وكانت ملكا لميرهوف ( ص 15 ، ص 17 ) . ( المترجم )