اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
253
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
أما المصنف الثاني من الناحية الزمنية فيرتبط بمسائل الجغرافيا الفلكية وذلك بالمعنى الضيق لهذا المصطلح ، وهو كتابه « تحديد نهاية الأماكن لتصحيح مسافات المساكن » المحفوظ حتى الآن في مخطوطة فريدة باستنبول بخط يد المؤلف فيما يبدو وترجع إلى عام 416 ه - 1025 62 . وفي المقدمة النظرية لهذا الكتاب يدور الكلام حول تحديد العروض الجغرافية والاختلاف في تحديد أطوال المواضع والتطبيق العملي للمناهج السائدة 63 . ويبدي البيروني ملاحظته عن أن العرب - - قد اتبعوا ثلاثة مذاهب في تحديد المسافات ، فهم إما أن يكونوا قد أخذوا حسابات بطلميوس كما هي ، أو أجروا أرصادهم الخاصة وفقا لمذهبه ، أو استقوا مادتهم في آخر الأمر من أسفار الرحالة وسير البريد . وقد اتبع البيروني في نشاطه العلمي المذاهب الثلاثة ، مستعملا ملاحظاته الشخصية فيما يتعلق بمنطقة شرقي إيران 64 . ولما كان من شأنه أن يبين دائما التواريخ التي دون فيها هذه الملاحظات فإنه من الممكن تتبع تحركاته من الوجهة الزمنية بالكثير من الدقة 65 . وللبيرونى في كتابه هذا استطراد لطيف يوضح فيه بالكثير من الحق والصواب الوضع الأفضل الذي تمتع به جغرافيو العرب بالنسبة للمؤلفين اليونانيين فيما يتعلق باتساع رقعة أفقهم الجغرافي نتيجة لاتساع نطاق الحضارة الإسلامية كما يقول « غربا إلى الأندلس وشرقا إلى حدود الصين وأواسط الهند وجنوبا إلى الحبش وبلاد الزنج وشمالا إلى مساكن الترك والصقالبة » 66 . وتتركز أهمية الكتاب كما هو الحال دائما في مواضع معينة من العسير الحكم عليها إلا من خلال نقاط مبعثرة ؛ ويرجع السبب في ذلك إلى عدم وجود طبعة للكتاب . وتمتاز بقيمة كبيرة آراؤه في هذا الكتاب عن جيولوجيا خوارزم القديمة ، وهي آراء تكشف عن الكثير من سعة الأفق وعن جرأة فكرية نادرة 67 . وفي القرن الخامس عشر نجد أن المقريزي يستشهد بكتاب البيروني هذا عند كلامه عن محاولات القدماء لحفر قناة بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط 68 . ومن بين مصنفات البيروني الكبرى المعروفة لنا نعرف معرفة أجود ثلاثة منها ترجع بالتقريب إلى وقت واحد هو حوالي عام 421 ه - 1030 ، أي عام وفاة محمود الغزنوي . أما أبعدها صيتا فهو « القانون المسعودي في الهيئة والنجوم » الذي رفعه إلى خليفة محمود ؛ وعليه بالذات تعتمد شهرته في المشرق 69 . وهو لم يطبع إلا في الآونة الأخيرة وذلك بفضل عناية المستشرق الألماني كراوزه Krause 70 غير أن العلماء رجعوا إليه دائما بحيث أمكن تكوين فكرة عن الكتاب من خلال القطع المختلفة التي نقلوها عنه . وقد ترجم فيدمان 71 فصلين منه هما التاسع وهو في وصف سكان الأرض وحدود الأقاليم وفقا للأطوال والعروض ، والعاشر وهو الذي يبين لنا جداول أطوال وعروض المواضع المختلفة . وكان كتاب « المجسطى » النموذج الذي سار على هديه « القانون » ؛ فهو يقدم لنا في اثنى عشر بابا موجزا لعلم الفلك كله مع حساب التوقيت - - وحساب المثلثات والرياضة والجغرافيا والتنجيم 72 ؛ وهو يستند