اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

251

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

التقويم « الآثار الباقية عن القرون الخالية » الذي انتهى من تصنيفه وهو في سن السابعة والعشرين تقريبا بجرجان ؛ وقد أصبح في متناول الأيدي منذ السنوات السبعينات للقرن الماضي بفضل مجهودات العلامة زاخاو Sachau . وفي الآونة الحاضرة اشتدت الحاجة إن لم يكن لطبعة جديدة فعلى الأقل إلى إضافة زيادات جوهرية إلى المتن الذي طبعه زاخاو . ويمكن بفضل المخطوطات التي كشفت منذ عهد غير بعيد ، ومن بينها واحدة بالاتحاد السوفيتى ، تدارك جميع الفجوات ( Lacunae ) الموجودة في الأصول التي اعتمد عليها زاخاو والتي ترجع في معظمها إلى عهود حديثة ، هذا بينما ترتفع المخطوطات التي تم العثور عليها أخيرا إلى القرن السابع ( الثالث عشر الميلادي ) وكثيرا ما تبين القراءة الصحيحة 49 . والكتاب في جوهره خلاصة للتقاويم المختلفة فلكية كانت أم شعبية ؛ وهو يقدم لنا وصفا كاملا لجميع التوقيتات والأعياد المعمول بها عند الشعوب وفي الأديان المعروفة له كاليونان والرومان والفرس والصغد والخوارزميين والحرانيين والقبط والنصارى واليهود وعرب الجاهلية والمسلمين . ومصادره في هذا الميدان غاية في التنوع فهو يعتمد من ناحية على مؤلفات خاصة مفقودة بالنسبة لنا ، ومن ناحية أخرى على الرواية المتواترة التي تمتاز في بعض الأحوال بقيمة نادرة . ويكفى في هذا الصدد أن نلاحظ أنه وهو المسلم يقدم لنا أول وصف مفصل لنظام التوقيت عند اليهود 50 . أما في مجال الجغرافيا الرياضية فلا تقتصر الأهمية على المادة نفسها بل تنتظم أيضا المنهج الأصيل الذي اتبعه البيروني كتحليله المفصل لفكرته عن مساقط الخارطات ( Cartographic Projections ) الذي دفع أحد الأخصائيين المعاصرين إلى الاعتراف بأنه قد جمع إلى سعة العلم خيالا خصبا 51 . وكما هو الشأن مع بقية مصنفاته فكذلك تبرز هنا بجلاء المميزات التي تنفرد بها معطيات البيروني التي أخذ الاهتمام يزداد بها وفقا لاطراد الاكتشافات الجديدة وتقدم العلم المعاصر . ويمكن إدراك ذلك في الآونة الحاضرة من الاهتمام المتزايد بحضارة الخوارزميين القدماء عندما وكدت الاكتشافات والأبحاث الأخيرة أهمية معطياته فيما يتعلق بلغتهم وتقويمهم . ويلاحظ بوضوح في هذا المصنف المبكر إحدى العلامات المميزة للبيرونى فيما بعد ، ذلك هو إحساسه القوى بقوميته الإيرانية - - . فالتراث الإيراني في تاريخ الحضارة البشرية يستأثر باهتمامه ، بينما يبدو العرب قبل الإسلام وكذلك دورهم في الفتوحات الإسلامية في صورة سلبية ؛ وهو يوجه نقده بصورة خاصة إلى فاتح بلاد ما وراء النهر المشهور قتيبة الباهلي لقضائه على حضارة خوارزم 52 . ولما كان البيروني يحرص دائما على التزام الموضوعية ( OBjectivity ) فمن العسير اتهامه بمعاداة العرب 53 ، فهو مثلا يعتقد أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة الجديرة بأن تكون لغة العلم 54 . وتقف تجربة حياته بأكملها برهانا على هذا ؛ وقد عبر عن رأيه في اللغة العربية في آخر مصنفاته وهو كتاب « الصيدنة » الذي وضعه بعد خمسين عاما تقريبا من تأليفه « للآثار الباقية » . ففيه يقول : « وإلى لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم فازدانت وحلت إلى الأفئدة وسرت محاسن اللغة