اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
235
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
العربية في ميدان الجغرافيا الرياضية والفلكية ، تلك المصطلحات التي مر بنا الكلام عليها عند ذكر المصنفات المرتبطة بالمدرسة اليونانية . ويوجد هذا الباب في متناول أيدي غير المستعربين بفضل الترجمة التي قام بها قيدمان Wiedemann مؤرخ العلوم عند العرب 138 . وإذا كان ابن النديم وأبو عبد اللّه الخوارزمي قد وجها اهتمامهما الرئيسي إلى تصنيف العلوم فإننا نلتقى في القرن العاشر بعدد لا يستهان به من مصنفات المنهج الأدبي اللغوي التي تمس علم الجغرافيا كذلك . وقد مر بنا في الفصل الأول من هذا الكتاب كيف أن دراسة الأعلام الجغرافية الموجودة في النسيب الجاهلي قد دفعت إلى وضع مؤلفات من طراز « كتاب جزيرة العرب » أو « كتاب جبال تهامة » ، والآن في القرن العاشر وفي عهد العباسيين نبصر ظهور عدد من الكتب الطريفة من طراز « كتب الديارات » التي جمعت فيها الأشعار الوارد فيها ذكر الديارات الشهيرة مع شروح وافية لها . وهي دون ريب لم تجتذب اهتمام المجتمع العربي والشعراء العرب بوصفها أماكن لعبادة المسيحيين ، بل اجتذبتهم بسبب الشهرة التي نالتها في إنتاج النبيذ وبيعه . ففيها كان يمكن شراء النبيذ الجيد وإقامة مجالس الشراب المقتصرة ، سواء في بساتين الدير أو في محلات خاصة بعيدا عن أعين الرقباء من متشددى المسلمين . وفي هذه المجالس كان الشعراء ينشدون أشعارهم ، بل إن المجالس نفسها كانت توصف في هذه الأشعار بطريقة حية تقدم لنا لوحة دقيقة لحياة ذلك العصر . وكان عدد هذه الديارات كبيرا ، وسرعان ما أحس اللغويون بالحاجة إلى وضع مرجع عام عنها كما فعلوا من قبل مع مواضع الجزيرة العربية الواردة في الأشعار . ويمكن الحكم على الاهتمام بهذا الموضوع من أن عدد المصنفات التي من هذا الطراز لا يقل عن العشرين 139 . أما ما حوته من مادة ضخمة حية عن الحياة الثقافية والاجتماعية للعصر فيتضح من ثنايا البحث الذي نشره منذ عهد غير بعيد العلامة العربي حبيب الزيات 140 . ومن المرجح أن البحث الذي وعد به فيشر Fischer عام 1929 لن يكون أقل أهمية من ذاك « * » 141 . وفي النصف الثاني من القرن العاشر تمتعت ثلاثة من « كتب الديارات » بشهرة خاصة ، وأحدها لمؤلف كتاب « الأغانى » المشهور أبى الفرج الأصفهاني 142 . وترجع معرفتنا بهذه الكتب عادة إلى شذرات متفرقة ، إلا أن واحدا منها وهو - - للشابشتى معروف لنا معرفة مباشرة بفضل المخطوطة الفريدة الموجودة ببرلين 143 والتي لا تخلو من السقط . وهناك زعم بوجود مخطوط طريفة مصورة لهذا الكتاب رؤيت في القرن العاشر الهجري ( السادس عشر الميلادي ) 144 . أما المؤلف فليست لدينا عنه أية معلومات بخلاف أنه كان أمينا لمكتبة الخليفة الفاطمي العزيز ( 365 ه - 386 ه - 975 - 996 )
--> ( * ) توفى فيشر عام 1949 ، وليس لنا علم ببحث له في هذا الموضوع . وهو نفس المشتشرق الألماني الذي ندين له باللبنة الأولى في وضع معجم تاريخي للغة العربية . ( المترجم )