اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
236
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وقارئا 145 له . وقد أبدى ياقوت الذي كثيرا ما ينقل عن كتابه 146 ترددا واضحا فيما يتعلق باسم المؤلف 147 ، أما ابن خلكان فإنه لم يستطع رغم بحثه وتقصيه أن يثبت أصل النسبة ، وافترض في آخر الأمر أنها ديلمية الأصل 148 « * » . كذلك يحيط شك كبير بتاريخ وفاته وهل كان ذلك في عام 388 ه - 988 أم عام 399 ه - 1008 149 . ولعل طبيعة وظيفته كقاص للبلاط هي التي حفزته لوضع مصنفه « كتاب الديارات » 150 ، ووفقا لفكرته الأساسية فقد كان من المفروض أن يشمل الكتاب جميع أديرة العراق والجزيرة والشام ومصر إلا أن المخطوطة البرلينية لم تحفظ لنا عن أديرة العراق إلا قسما ضئيلا ، بينما تفتقد أديرة الشام بالكلية 151 . ونصيب مصر أقل بكثير من نصيب الجزيرة ، غير أن القسم الخاص بها كما هو واضح من بحث العلامة القبطي عزيز سوريال عطية 152 يحوى مادة قيمة . وكما هو الشأن مع المصنفات السابقة فإن مركز الثقل في الكتاب لا يقوم على الوصف الجغرافي لتوزيع الأديرة وإن لقى بعض الاهتمام ، بقدر ما يقوم على القصائد الطويلة والحكايات المتعلقة بها . وهذه بالطبع لها قيمتها الذاتية وقد جمعها زاخاو Zachau في كتيب خاص ويمكن للجغرافى أن يستقى منها معلومات غير قليلة . ومن الثابت أن كتب الديارات لم تكن النمط الوحيد في ذلك العصر الذي يقدم لنا معطيات جغرافية ؛ إذ يمكن استخراجها بصورة أيسر من المجموعات التاريخية الأدبية التي ذخر بها ذلك العصر أيضا . ويجب أن نولى اعتبارا خاصا في هذا الصدد لثلاث مصنفات لأبى على المحسّن التنوخي ( توفى عام 384 ه - 994 ) 153 الذي تزايد الاهتمام بشخصه في الآونة الأخيرة عند المؤرخين بسبب طبع قسم من أحد مصنفاته الأدبية منذ عهد غير بعيد 154 . - - ففي مصنفاته هذه تنعكس قصة حياته المضطربة التي قذفت به من البصرة إلى بغداد إلى الأهواز تارة في منصب قاض وأخرى مدرسا وثالثة أديبا مفلسا ؛ ويبدو فيها مجهوده لابتكار القصص الجديدة وقوة ملاحظته واتباعه لمنهج أصيل في معالجة كل ما يقع تحت ناظريه . وسأقتصر على إيراد مثال واحد طريف يهمنا من وجهة نظر الأدب الجغرافي . ففي أكثر مجموعاته الأدبية شهرة وهو « كتاب الفرج بعد الشدة » الذي طبع في القاهرة منذ وقت طويل أفرد الفصل السابع 155 للقصص المختلفة من عالم الحيوان ، كالفيلة 156 والأسود 157 والقردة 158 وكثير غيرها . وإذا اعتبر بعضها مجرد حكايات للتسلية فحسب فإن البعض الآخر يتميز بالكثير من الحيوية والتفصيل بحيث يقدم للمتخصصين في الجغرافيا الحيوانية ( Zoological Geograply ) مادة لاستقراءات علمية ذات أهمية . وفي كتاب التنوخي تنعكس تلك المصادر التي خلقت نمط « القصص البحرية » المعروف لنا ؛ وهكذا يقترن في مصنفاته الأدب التاريخي بالأدبين الفنى والجغرافي .
--> ( * ) عن توضيح أصل اسم الشابشتى راجع ما جمعه الأستاذ كوركيس عواد في مقدمة طبعته لكتاب الديارات . ( المترجم )