اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

208

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

للقرن الثامن بياتوس Beatus 58 . ويلاحظ أن الخارطات العربية خلو من صور الناس والحيوانات التي كانت تحفل بها الخارطات الأوروبية التي وضعت في العصور الوسطى ، ولكن في مقابل هذا بدا واضحا في « أطلس الإسلام » بوجه خاص ، وفي خارطة العالم المستديرة بالذات ، الجنوح إلى تصوير السواحل والأنهار تصويرا هندسيا ؛ ففي بعض خارطات الإصطخرى مثلا يصور البحر الأبيض المتوسط في شكل كروى أو إهليلجى تقريبا 59 . وخارطة العالم المشار إليها قد نالت انتشارا واسعا في الأدب الجغرافي المتأخر ويمكن التعرف عليها دون صعوبة تذكر خلال جميع الرسوم التي نقلها القزويني وابن الوردي في القرنين الثالث عشر والخامس عشر وكذلك في خارطات الإدريسى المستديرة التي تنتمى إلى مدرسة أخرى ؛ بل وربما تعتمد عليها أيضا الخارطة المستديرة الطريفة لمخطوطة كتاب محمود الكاشغرى الموجودة باستنبول ، وهو مؤلف من رجالات النصف الثاني للقرن الثاني عشر 60 وهناك احتمال كبير في أن يكون العرب قد عرفوا في العصر الذي وضع فيه « أطلس الإسلام » خارطات من أصل آخر لا ترتبط به ويتردد ذكرها حينا بعد حين في مصادر مختلفة . فالمقدسى الذي سيرد الكلام عليه بعد قليل يذكر عرضا أنه أبصر في بعض مكتبات الأمراء والأفراد 61 ما لا يقل عن أربع خارطات . ومن العسير الحكم من هذه الملاحظات المتناثرة على أصل هذه الخارطات وصفتها وتأثيرها على الخارطات التالية ، أما غيما يتعلق « بأطلس الإسلام » فإنه توجد لدينا مادة وفيرة ، وبالرغم من أن تفاصيل كثيرة قد بقيت خافية علينا إلا أننا نستطيع بكل اطمئنان أن نعده الخطوة الثانية والأهم في تاريخ الكارتوغرافيا العربية . أما الخطوة الثالثة والأخيرة فتمثلها خارطات الإدريسى المشهور . وكما هو الشأن مع الخارطات فإنه يحيط بمتن مصنفات المدرسة الكلاسيكية عدد من المشاكل المعلقة ؛ والأمر الذي لا يتطرق إليه الشك هو أن توزيع المادة الجغرافية فيها يعتمد اعتمادا تاما على الخارطات ويخضع بصفة عامة لمنهج صارم محدد ؛ فيبدأ وصف كل منطقة بالكلام على المدن والأنهار فالجبال فالسكان ، ويعقب ذلك وصف طرق المواصلات . ومثل هذا الترتيب ملائم للغاية لأنه يفسح المجال لضم أية كمية من المادة الجديدة المأخوذة عن الرحالين وعن الوثائق الرسمية أو التي تجمعت بنتيجة لنمو المادة التاريخية - - أو الموجودة في مظان أخرى . ولعل فيما زاده ابن حوقل على الأقسام المتعلقة بأفريقيا وأسبانيا ما ينهض مثلا حيا لهذا 62 . وآخر الممثلين الكبار للمدرسة الكلاسيكية هو المقدّسى الذي يعتبره اشبرنجر « أكبر جغرافى عرفته البشرية قاطبة » 63 . وإذا شاب هذا الرأي بعض المبالغة من جانب عالم كان من أوائل من بحثوا في هذا الموضوع ، وهو الذي اكتشف أول مخطوطة لمصنف المقدسي ، إلا أنه يمكن أن نسلم دون تحفظ برأي العالم المعاصر كرامرس Kramers الذي يرى في المؤلف أكثر الجغرافيين العرب إصالة وفي المصنف نفسه واحدا من أكثر المصنفات الجغرافية في الأدب العربي قيمة 64 . وفي تحليله للكتاب يستدرك اشبرنجر