اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

209

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

على نفسه بالكثير من الصواب فيقول « ولا أعنى بذلك أن كتابه في الجغرافيا يفوق المؤلفات الحديثة في هذا الفن ، إذ يعوزه من أجل ذلك تجربة الأجيال التالية . ولكن من المحتمل أنه لم يسبقه شخص في اتساع مجال أسفاره وعمق ملاحظاته وإخضاعه المادة التي جمعها لصياغة منظمة » 65 . ولعل اسمه في حاجة إلى بعض التوضيح ، فهو كمعظم المؤلفين العرب غير معروف باسمه الكامل الذي يرد على صفحة العنوان بإحدى مخطوطات كتابه 66 وهو شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر البنّاء الشامي المقدسي البشاري ؛ ولكنه اشتهر في الغالب بإحدى نسبتيه الأخيرتين . والأولى منهما ترتبط بالاسم الذي أطلقه العرب على أورشليم التي إلى جانب « القدس » تدعى أيضا « البيت المقدّس » أو « بيت المقدس » ، هذه الصيغة الأخيرة هي التي يتمسك بها اللغويون المتشددون 67 ولا تزال تحتفظ بها إلى يومنا هذا إحدى الأسر العربية الكبرى وهي أسرة المقدسي ( ينطقه العامة غالبا بضم الميم ) ؛ غير أن صيغة المقدّسى واسعة الانتشار كذلك ؛ ولعل المؤلف نفسه يشير إلى هذه الصيغة الأخيرة في قطعة شعرية يختتم بها كتابه حيث يجرى لعبا بالألفاظ حول تعبير « حكمة مقدسّة » 68 . وياقوت في القرن الثالث عشر كان يدعوه في معظم الأحوال بنسبته البشّارى وأحيانا بأسمائه الأخرى مثل ابن البنّاء ؟ ؟ ؟ مثلا . والاسم الأخير يرتبط بتاريخ حياته ، فقد ولد المقدسي في عام 335 ه - 946 - 947 بيت المقدس وكان حفيدا لبنّاء اشتهر ببنائه لميناء عكا في عهد أحمد بن طولون ؛ وتنعكس في كتاب حفيده نفسه بين آونة وأخرى ميوله المعمارية التي ربما ورثها عن جده . أما أسرة - - أمه فتنتمى إلى قرية بير من أعمال قومس على مقربة من حدود خراسان وقد يسرت له عوامل النسب والقرابة التعرف على نصف العالم الإسلامي ، ودفعه ولعه بالأسفار إلى زيارة جميع أنحائه باستثناء الأندلس والسند وربما سجستان أيضا . ويلوح أنه قد زار صقلية كما أثبت ذلك أمارى Amari الذي حلل روايته عن تلك الجزيرة 69 ؛ أما معلوماته عن الأندلس فقد نقلها كما يذكر هو نفسه عن حاجين التقى بهما في مكة عام 377 ه - 987 70 . ولكن معلوماته عنها كما بين دوزى Dozy 71 يسودها بعض الاضطراب وتفتقر إلى الكثير من الوضوح . ويلاحظ منها أن المؤلف لعدم معرفته المباشرة بتلك البلاد لم يكن بوسعه أن يفهم دائما ما يروى له ؛ ورغما عن هذا فإن روايته هذه مفيدة بل وقيمة جدا في بعض الأحايين . ونتيجة لرحلاته الواسعة واستفهاماته العديدة ونشاطه الجم في محيط الأدب والكارتوغرافيا فقد استطاع المقدسي وهو في سن الأربعين أن يضع كتابه « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » . ويبدو أن الكتاب قد وجد في مسودتين ترتفع إحداهما وفقا لألفاظ المؤلف نفسه إلى عام 375 ه - 985 - 986 72 ، أما الثانية وهي التي استعملها ياقوت فقد أكملت بعد ثلاثة أعوام من ذلك التاريخ وذلك في عام 378 ه - 988 - 989 73 . ولا يخلو من مغزى بالنسبة للأوضاع السياسية في ذلك العهد أنه رفع المسودة الأولى