اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
207
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الذي خرج فيه الغرب بعدد أقل من الخارطات تنتظم مساحات جغرافية أكثر اتساعا من رصيفتها الإيرانية . والغرض الأساسي من الأطلس هو تصوير « العالم الإسلامي » بالذات وذلك وفقا لمفهوم هذا اللفظ عند الإصطخرى وابن حوقل كما اتضح من الشذرة التي أوردناها منذ قليل 49 . - - ولا يزال الغموض يكتنف الظروف التي أحاطت بظهور « أطلس الإسلام » ، ويميل اشبرنحر Sprenger 50 ونالينو Nallimo 51 ، وذلك استنادا إلى إشارة مبهمة وردت بكتاب « الفهرست » 52 ، إلى الاعتقاد بأن أبا زيد البلخي قد اعتمد في الأصل على الخارطات التي وصفها الفلكي أبو جعفر الخازن . غير أن هذا الفرض لا يكاد ينهض على أساس ، فالخازن قد توفى على ما يبدو بعد عام 350 ه - 961 53 أبى أنه كان أصغر سنا من البلخي بكثير ، أضف إلى هذا أنه لا توجد أية علاقة بين الخارطات نفسها وبين الجغرافيا الفلكية ، تماما كما هو الشأن مع متنى الإصطخرى 54 وابن حوقل 55 ؛ هذا إلى جانب خلوها من أي أثر للتقسيم إلى سبعة أقاليم المأخوذ عن جغرافيى المدرسة الرياضية ، بل إن لفظ « إقليم » نفسه يستعمل في هذا الصدد للدلالة على المنطقة الجغرافية ( Region ) التي تصورها الخارطة . وجميع خارطات هذه المجموعة مستقلة كل واحدة عن الأخروات ولا يمكن وصلها ببعضها البعض لتكوين خارطة عامة ، كما وأنه لا يوجد فيها أي أثر لخطوط الطول والعرض . ومما يؤكد مرة أخرى انعدام الصلة بينها وبين الجغرافيا الفلكية هو أنه لا علاقة لها البتة بخارطات الخوارزمي ؛ وربما كانت الفكرة الأساسية التي قامت عليها هي تصوير طرق المواصلات . ويسوقنا نظام توزيع هذه الخارطات إلى الافتراض بأنها ترجع في أصلها إلى « أطلس إيران » القديم ولكن جرت فيه يد التعديل بصورة طفيفة ليتفق مع حاضر العالم الإسلامي آنذاك ، ثم أضيفت خارطة العالم والبحرين إلى خارطات المقاطعات الإيرانية الأصلية ؛ وربما ارتبطت خارطة العالم هذه بالخارطة « المأمونية » التي سبق الكلام عليها . أما بقية الخارطات فهي تمثل إما خارطات المقاطعات القديمة للدولة الساسانية وإما خارطات لمقاطعات كانت تخضع حينا من الدهر لتلك الدولة على نحو ما ، مثل بلاد العرب وأرمينيا وسواحل بحر قزوين وما وراء النهر وربما السند أيضا . أما الشام وفلسطين فقد كانتا بالطبع من أراضي الدولة الرومانية الشرقية ولكن نظرا لأنهما كانتا تمثلان معبرا أساسيا للمواصلات يربط إيران بالغرب وبالبحر الأبيض المتوسط فقد نالتا أهمية خاصة بالنسبة للساسانيين . من هذا يتضح أن الأطلس قد وضع في الأصل من أجل الإمبراطورية الساسانية القديمة ولم تمسه يد التعديل والتحوير إلا قليلا ليتفق مع حاجة المسلمين في القرن العاشر 56 . وقد لوحظ أن تقسيم الأقطار المختلفة إلى مقاطعات يتفق مع الطريقة التي اتبعها البلاذري عند الكلام على فتوحها 57 . - - أما الخارطات نفسها فيمكن القول على وجه العموم بأنها تدل على معرفة بالحقائق الجغرافية أدق مما كان عليه الحال في أوروبا لذلك العهد ، الأمر الذي يمكن الحكم عليه من خارطة الراهب الإسبانى