اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

138

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

وفيما يتعلق بالتجارة عن طريق البحر مع الهند وأرخبيل الملايو والصين فإن العرب قد ساروا على التقاليد القديمة لمنطقة جنوبي العراق وسواحل الخليج الفارسي في العصر الساساني . ويروى أنه عندما سقطت ميناء الأبلة قرب البصرة في يد العرب في خلافة عمر وجد بها المسلمون سفنا صينية 129 . وواضح أن الفرس ظلوا حتى في عهد السيادة العربية أكثر العناصر جسارة في ركوب البحر ؛ ومن المعلوم منذ عهد طويل أن المستعمرة العربية الفارسية بميناء كانتون Canton بالصين بلغت حدا من القوة استطاعت معه في عام 758 أن تضع يدها على المدينة وتنهبها وتغادرها عن طريق البحر 130 . وفي الآونة الأخيرة حالف التوفيق العلامة البولندى لفيتسكى Lewicki فعثر على شواهد تثبت زيارة بعض العرب للصين في ذلك العهد 131 ، وذلك في تاريخ طائفة الإباضية من الخوارج ؛ ومصدر هذه الشواهد مصنف لأبى سفيان محبوب العبدي المتوفى في النصف الأول من القرن التاسع 132 جاء فيه أن أحد شيوخ تلك الطائفة وهو أبو عبيدة عبد اللّه بن القاسم من أهل عمان كان عالما كبيرا لعصره وتاجرا معروفا اشتغل بتجارة المر . وكان قد سافر بتجارة له إلى الصين ؛ ولكن تاريخ الرحلة غير معروف لنا ولو أنه لاعتبارات شتى يمكن القول بأنها حدثت دون شك قبل نهب كانتون السالف الذكر في عام 758 133 . أما التاجر الإباضى الآخر فهو النضر بن ميمون الذي عاش بالبصرة على ما يظهر على حدود القرنين الثامن والتاسع ومن هناك سافر إلى الصين ؛ ولكن ليست لدينا أية تفاصيل عن رحلته هذه 134 . وعلى أية حال فإنه يمكن اعتبار هؤلاء التجار الإباضيين بمثابة ممهدى الطريق للتاجر المعروف سليمان ولابن وهب اللذين سنلتقى بهما في رواية أبى زيد السيراقى التي دونت بعد قرن من ذلك . يتضح لنا مما مر أن العرب قد جمعوا عن بلدان الشرق الأخرى مادة وجيزة منذ ذلك العهد المبكر السابق للقرن التاسع معتمدين في ذلك على روايات لشخصيات عربية ؛ ويروى لنا ابن رسته حقائق عن الهند ينقلها عن شخص غير معروف لنا يدعوه أبا عبد اللّه محمد بن إسحاق ، وكان قد أمضى عامين من حياته في قمار ( أي خمير Khmer ، وهو الاسم القديم لكمبوديا ) 135 وحدث هذا على أغلب الظن الظن في بداية القرن التاسع 136 . ويعتبره بارتولد المصدر الأساسي عن الهند لا بالنسبة لابن رسته وحده ، وهو الذي نقل عنه فقرات - - معينة ، بل أيضا « بالنسبة لابن خرداذبه وغيره من الجغرافيين العرب » 137 . وهذا لا يعنى بالطبع أن مادتهم فيما يتعلق بتلك البلاد قد اقتصرت على أبى عبد اللّه وحده 138 ، إذ يلوح أن مثل هذه الحالات لم تكن نادرة . وإلى نفس هذا العهد المبكر ترجع أول معرفة للعرب بالطريق البرى الذي يخترق آسيا الوسطى إلى الصين ، وذلك اعتمادا على الوصف الذي يقدمه تميم بن بحر المطوعى . وكما يتبين من نسبته فإنه لم يكن تاجرا أو عالما بل انتمى إلى فئة المتطوعة من جنود الثغور الإسلامية الذين كثر عددهم على تخوم الخلافة خاصة في آسيا الوسطى . وقد توجه تميم إلى خاقان الترك التغزغز بمهمة دبلوماسية على ما يظهر ؛ ويرجع