اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
137
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
والعمرى 121 . وجوهرها أن ثمانية إخوة عزموا على « ركوب بحر الظلمات ليعرفوا - - ما فيه وإلى أين انتهاؤه » فأبحروا مع الريح الشرقية مدة أحد عشر يوما إلى موضع صخرى مخيف شديد الظلمة . ثم اتجهوا جنوبا مدة اثنى عشر يوما إلى أن بلغوا « جزيرة الغنم » فأبصروا قطعان هائلة منها ؛ ثم توغلوا اثنى عشر يوما أخرى في نفس الاتجاه حتى بلغوا جزيرة أخرى فأسرهم أهلها وكانوا ذوى بشرة حمراء وشعرهم قليل ناعم وطوال القامة . وعندما بدأ هبوب الريح الغربية أمر سيد الجزيرة بترحيلهم معصوبى الأعين إلى القارة التي بلغوها بعد إبحار ثلاثة أيام بلياليها . وهناك علموا من البربر أنهم بجنوبى مراكش على مسيرة شهربن من بلدهم ، وكان موضع نزولهم البقعة التي قامت بها فيما بعد ميناء آسفى Asfi . وواضح من هذا أن نقاطا عديدة من هذه القصة تدخل في محيط الأدب الشعبي « الفولكلور » ( Folklore ) العالمي للقرون الوسطى ؛ وقد استطاع دى خويه أثناء تحليله للأساطير الأوروبية المبكرة عن رحلة القديس براندان أن يكشف عن عدد من نقاط الشبه الطريفة بين القصتين ، مما يشير إلى مصدر مشترك 122 . وبالطبع فإن تحديد زمان ومكان رحلة « المغرورين » يفسح مجالا واسعا للتخمين والافتراضات 123 . ويبدو أن وصف الرحلة يرجع إلى القرن العاشر كما يرى دى خويه ، وذلك قبل إنشاء ميناء آسفى 124 . ويميل بيزلى Beazley إلى الاعتقاد بأن الجزيرة الأولى الوارد ذكرها في الرحلة هي جزيرة ماديره Madeira أما الثانية فيرى فيها إحدى جزر الكنارى Canaries 125 . وبخلاف هذا فإن أي قول يتعلق بالرحلة لا يخرج عن حيز الافتراضات التي لا يدعمها الواقع ؛ ورغما عن هذا فقد اعتقد المتخصصون في جغرافيا العصور الوسطى أن هذه الرحلة ربما ساهمت في الحث على الرحلات المتأخرة التي قام بها الملاحون الأوربيون في المحيط الأطلنطى 126 . وقد لاقت تسمية هؤلاء الملاحين بالمغررورين ، أو « المغرّرين » كما تروى أحيانا ، انتشارا واسعا ؛ ومما يدعم صحة اشتقاق اللفظ الثاني الاستعمالات العديدة التي وردت لدى المسعودي 127 ، مما لا يفسح المجال للأخذ برأي متز Metz في أنه يجب قراءتها « المغربين » أي الضاربين في الغرب 128 . إن مغامرة هؤلاء « المغرورين » تخرج بعض الشئ عن الحدود الزمنية الموضوعة لهذا الفصل ولكنها من ناحية أخرى تكمل سلسلة المحاولات العربية للتجوال في الغرب في ذلك العهد . فإذا ما ولينا وجهنا شطر المشرق مرة أخرى أمكننا أن نقرر بكل ثقة أن الاهتمام الرئيسي للعرب قد انصب حقا على البلاد الواقعة إلى الشرق من العالم الإسلامي وأن أفق معرفتهم الجغرافية بتلك النواحي قد اتسع بصورة ملحوظة . وهنا يقتصر الحال في أول الأمر بالطبع على مجرد ذكر - - الرحلات المختلفة وقد يصحب ذلك سرد لمراحل الطريق ، وشيئا فشيئا يقابلنا عدد من الروايات عن هذه الرحلات احتفظ بها مؤلفون متأخرون أو أعادوا صياغتها في قالب جديد . أما في القرن التاسع نفسه فلا نكاد نلتقى بوصف لرحلات يسرده الرحالون أنفسهم .