اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
127
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
مؤلف بالنسبة لعصره يكتب في موضوعات جغرافية عامة تتجاوز نطاق جزيرة العرب 14 . ويؤكد هذا تلك الاقتباسات التي ينقلها عنه ياقوت مشيرا في العادة إلى « كتاب أنساب البلدان » 15 ؛ وهو يقصد في أغلب الظن كتاب « اشتقاق البلدان » 16 المذكور في مقدمته ، بل وربما أيضا « كتاب البلدان » الوارد ذكره في « الفهرست » . وهذه الاقتباسات تمس بعض المدن خارج جزيرة العرب مثل الكوفة 17 والرها 18 والمخرّم 19 قرب بغداد والنهروان 20 . والرأي الذي نودي به أخيرا وهو أن ابن الكلبي ألف رسالة عامة في الجغرافيا في « عشر مجلدات » 21 يستند على محض وهم مرده إلى أن ابن النديم أورد أسماء عشرة من مؤلفاته . ومهما يكن من شئ فابن الكلبي يمثل ظاهرة نادرة بين لغويى ذلك العهد بما اتصف به من اتساع الأفق ، ذلك أن أغلبهم قد اكتفى بوضع ملخصات لغوية عن بلاد العرب . وخير مثال لهذا الأصمعي المشهور ( توفى حوالي عام 216 ه - 831 ) 22 الذي يدين له العلم - - بحفظ عدد من آثار الشعر الجاهلي ؛ فبجانب مصنف له في الأنواء 23 له أيضا رسالة ذات طابع عام هي « رسالة في صفة الأرض والسماء والنباتات » 24 . بيد أن ياقوت يعتبره المصدر الأساسي عن جزيرة العرب بفضل مصنفه « كتاب جزيرة العرب » 25 ؛ ويكفى أن نذكر أن اسمه ورد حوالي ثلاثمائة وخمسين مرة عند ياقوت 26 . وكانت له أيضا رسائل تبحث موضوعات أخص من ذلك ، مثل « كتاب مياه العرب » 27 ؛ وقياسا على بقية مؤلفاته اللغوية الأخرى يمكننا أن نفترض بكل اطمئنان وثقة أن هذه أيضا تمثل تعدادا لأسماء ومصطلحات مصحوبة بشروح موجزة وشواهد من الشعر . ويبدو أن رسالة تلميذه سعران بن المبارك « كتاب الأرضين والمياه والجبال والبحار » 28 قد سارت في نفس الاتجاه ولم تخرج مادتها عن نطاق جزيرة العرب . ومن بين العلماء اللغويين الذين سلكوا نفس ذلك الاتجاه نلتقى بشخصية طريفة لأعرابىّ أمىّ يدعى عرّام بن الأصبغ ؛ وهو لمّا أبصر إقبال الناس على مثل هذه الموضوعات أملى في سن الشيخوخة ( بعد عام 231 ه - 845 ) « كتاب أسماء جبال التهامة ومكانها » 29 معتمدا في ذلك على معرفته الجيدة بمواضع جزيرة العرب . وقد نال مصنفه انتشارا وصيتا واسعين ورواه علماء مختلفون من بينهم السيرافى المعروف 30 ( توفى حوالي عام 368 ه - 979 ) الذي ندين له أيضا بكتاب مستقل عن الجزيرة العربية هو « كتاب جزيرة العرب » 31 . هذا وقد حفظت لنا من مصنف الأعرابي مقتطفات هامة في المعجمين الجغرافيين للبكرى وياقوت . والتحليل الدقيق الذي قامت به إلزا رايتمير Else Reitemeyer 32 قد أثبت أن مصنف هذا الأعرابي كان يشمل مادة تخرج عن نطاق عنوانه ، فهو لم يقتصر على ذكر الجبال التي أولى اهتمامه من بينها لتلك الواقعة بين مكة والمدينة بل ذكر أيضا المياه والنباتات الموجودة بها « * » .
--> ( * ) تحققت صحة هذه الفروض بالكشف عن رسالة عرام ونشرها . راجع في هذا مقدمة الأستاذ عبد السلام محمد هارون لطبعته المحققة لمخطوطة « كتاب أسماء جبال تهامة وسكانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه لعرام بن الأصبغ السلمى » القاهرة 1956 . ( المترجم )