اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

128

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ومن المعهود في الأدب العربي تكرار أسماء الرسائل بحيث يضحى من العسير القول هل نحن أمام مصنف مستقل أم رواية جديدة لمصنف سابق . ويمثل بعض الأهمية مصنف لمعاصر - - للدينوري هو اللغوي ابن لغزى الأصفهاني ( قبل عام 282 ه - 895 ) 33 بعنوان « كتاب مياه وجبال وبلاد جزيرة العرب » . وكما هو متوقع فإن المعلومات الجغرافية كما يتضح من وصف المخطوطة الوحيدة المعروفة 34 لهذا الأثر يصحبها شواهد من الشعر القديم . هذا النمط المتشابه للمصنفات الجغرافية للغويين المكرسة لجريرة العرب وحدها بدأ يطرأ عليه التغيير منذ النصف الثاني للقرن التاسع فشمل مضمونه بلادا وأقطارا أخرى ، الأمر الذي ظهرت تباشيره عند ابن الكلبي كما مر بنا ؛ كما أخذت تتغير أيضا العناوين وظهرت بالتدريج أنماط لم تلبث أن أصبحت الغالبة والمسيطرة بمرور الزمن . وأحيانا قد تكون المعلومات الموجودة بين أيدينا طفيفة للغاية ولكنها رغما من ذلك لا تخلو من بعض الفائدة ؛ فأحد لغويى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ( التاسع الميلادي ) وهو وكيع القاضي الذي وضع رسالة في الأنواء 35 يقال عنه أيضا « وله من الكتب . . . كتاب الطريق ويعرف أيضا بالنواحى ويحتوى على أخبار البلدان ومسالك الطرق ولم يتمه » 36 . وهنا يتضح لنا من مضمون الكتاب بل ومن عنوانه ظهور اتجاه جديد في التأليف الجغرافي . أما كبار العلماء فإنهم بالطبع لم يحصروا نشاطهم في حدود ضيقة كاللغويين ، فعالم كالجاحظ ( توفى عام 255 ه - 869 ) 37 تنعكس في مادته الجغرافية شخصيته الأدبية الفريدة بما تمتاز به من سعة الأفق وتنوع الموضوعات التي يطرقها وملاحظاته الفنية الدقيقة ؛ ولكنه من جهة أخرى كما هو معهود فيه يفتقر إلى الترتيب ، هذا إلى جانب ميله المعروف إلى الإمتاع على حساب الفائدة . وتقدم لنا مؤلفات الجاحظ العديدة في الأدب مادة جغرافية ضخمة ؛ ويكفى أن نشير في هذا الصدد إلى كتابه الكبير « كتاب الحيوان » الذي يحفل بالكثير في الجغرافيا الحيوانية والانثر وبولوجيا والاثنوغرافيا على الرغم من غلبة الموضوعات الأدبية عليه ؛ وقد أصبح من الممكن الآن بفضل العرض الموجز لمحتويات الكتاب الذي قام به آسين بلاسيوس Asin Palacios 38 أن يخوض الباحث في خضمه المتضارب دون كبير عناء . أما مصنف الجاحظ في الجغرافيا فلم يعثر عليه إلى الآن ومن ثم فليس من الممكن الحكم عليه إلا مما نقله عنه الآخرون ؛ أضف إلى هذا أن عنوانه غير معروف لنا بالضبط ولعل أقربها إلى الصحة - - هو العنوان الذي يورده المسعودي وهو « كتاب الأمصار وعجائب البلدان » 39 . ويقابلنا أحيانا عنوان « كتاب البلدان » 40 و « كتاب الأمصار » 41 ؛ أما الشذرة المحفوظة في إحدى مخطوطات المتحف البريطاني فتحمل اسم « كتاب الأوطان والبلدان » 42 وهو عنوان لا يقرب كثيرا من الواقع . ويتضح مما نقله عنه ياقوت أن الجاحظ قد تابع إلى حد ما نمط ما يسمى بالفضائل أو الخصائص الذي ازدهر في العصر الأموي ، أي صفات ومحاسن الحواضر الكبرى ، حيث يدور الكلام أحيانا عن مواطنيها أكثر مما يدور عن