اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

126

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

قد نقل عنه كثيرا كما يزعم الوراقون معاصره الأصغر منه سنا أبو عبيدة ( توفى عام 223 ه - 837 ) الذي أمضى معظم سنى حياته كالنضر بخراسان 7 . ويمثل معجمه « غريب المصنف » محاولة مبكرة لتوزيع المادة اللغوية حسب الأنواع 8 ؛ وبالطبع فإن المادة الجغرافية لديه قد وردت على نفس الصورة التي كانت عند النضر . أما فيما يتعلق بالجغرافيا الإقليمية ( Regional ) فقد انصرف اللغويون انصرافا تاما إلى جزيرة العرب . وقد لاحظ ياقوت بالكثير من الدقة ، وذلك عند تحليله لمصادر معجمه ، أن الكتب التي صنفت في أسماء الأماكن صنفان « منها ما قصد بتصنيفه ذكر المدن المعمورة والبلدان المسكونة المشهورة . . . ومنها ما قصد به ذكر البوادي والقفار واقتصر على منازل العرب الواردة في أخبارهم والأشعار » 9 ، فأولئك « الذين قصدوا ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية » فهو ينسبهم إلى « طبقة أهل الأدب » 10 ، أي اللغويين كما أسميناهم في هذه المناسبة ؛ وقد التقينا فيما بينهم بعدد غير قليل من الشخصيات المشهورة ولكن منهجهم جميعا في التأليف يكاد يكون واحدا . ويجب أن يحتل مكانة أولى في هذا التراث الجغرافي اللغوي ، وذلك ليس من ناحية الأسبقية الزمنية فحسب ، المؤرخ المشهور هشام الكلبي ( توفى حوالي عام 206 ه - 820 ) 11 وهو خبير ممتاز بالجاهلية وصاحب « كتاب الأصنام » الذي يكاد يمثل إلى الآن المصدر الأساسي للتعريف بأديان عرب الجاهلية ، وأيضا كتاب كبير في الأنساب هو « جمهرة الأنساب » . والاعتراف به كحجة في هذه الموضوعات يوكده بشكل قاطع قول ياقوت « ما تنازع العلماء في شئ من أمور العرب إلا وكان قوله أقوى حجة وهو مع ذلك مظلوم وبالقوارص مكلوم » 12 . ومن بين العدد الضخم من مؤلفاته يذكر لنا ابن النديم - - عشرة منها في الجغرافيا 13 ، فنبصر من بينها « كتاب تسمية من بالحجاز من أحياء العرب » و « كتاب قسمة الأرضين » و « كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين » . وإذا كانت هذه التسميات تتعلق بجزيرة العرب على نمط اللغويين فثمة أخرى على ما يظهر تعالج موضوعا أوسع من ذلك وتبدى نواحي سيهتم العلماء كثيرا بمعالجتها فيما بعد ، فلديه « كتاب الأقاليم » ، ثم « كتاب البلدان الصغير وكتاب البلدان الكبير » . ومعرفتنا بجميع أوجه النشاط العلمي لابن الكلبي يجعل من العسير علينا أن نفترض أن مادة هذه الكتب قد تجاوزت نطاق الجزيرة العربية ، غير أن عناوينها التي تذكرنا بالأدب التاريخي الجغرافي المتأخر تعطينا الحق في افتراض ذلك . ونفس الحكم يصدق بصورة أقوى على عنوان كتابه الذي أورده ابن النديم وهو « كتاب العجائب الأربعة » ، فهو يذكرنا بجميع صنوف كتب العجائب التي ازدهرت عقب ذلك بفترة طويلة . ومن المغرى أن نفترض أن هذا الكتاب بالذات هو الذي نقل عنه الإدريسى كثيرا في القرن الثاني عشر تحت اسمه المختصر « كتاب العجائب » مشيرا إلى اسم المؤلف على أنه حسن بن المنذر بدلا من هشام أبى المنذر . فإذا كان الأمر كذلك فإن ابن الكلبي إذا هو أول