اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
105
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
ولم يقف تأثير الخوارزمي عند سهراب وحده بل تعداه إلى غيره ، ولو أنه يجب الاعتراف بأنه من العسير أحيانا إدراك تأثير مصنف بعينه بقدر الإحساس بتأثير الاتجاه العام الذي يستهدف عرض المادة الجغرافية على هيئة جداول ، وهو ذلك الاتجاه الذي يستمد مادته من نفس المصادر اليونانية التي ترتفع إليها « صورة الأرض » . ولقد ارتبط هذا الاتجاه فيما بعد بالفلك أكثر منه بالجغرافيا الوصفية التي بدأت في الظهور آنذاك ؛ ومن ثم فلنا الحق كل الحق في أن نغفل بعض الشئ سير التتابع التاريخي ونقصر أنفسنا فيما يلي من هذا الفصل على الكلام على المصنفات الكبرى في ميدان الجغرافيا الفلكية دونما حاجة إلى الكلام عنها مرة ثانية عند معالجة العصور التي تنتمى إليها . وقبل الدخول في هذا يجدر بنا أن نقدم نبذة موجزة عن معاصر الخوارزمي الأصغر وهو « فيلسوف العرب » الشهير يعقوب الكندي ( المتوفى حوالي عام 260 ه - 874 ) 50 . ويرتبط بهذا الاسم كما ذكرنا من قبل واحدة من أولى ترجمات جغرافيا بطلميوس ؛ وأغلب الظن أن تأثيرها قد ظهر في تأليفه لكتابه « رسم المعمور من الأرض » الذي يشير إليه المسعودي 51 والذي لا نعلم عنه شيئا للأسف . وتنال أهمية كبرى رسالته « في البحار والمد والجزر » كما يدعوها المسعودي ؛ وقد استعملها الأخير في الفصل الذي أفرده للمحيط الهندي 52 ويرجع الفضل في تعريف العلم الأوروبى بها إلى بحثين للعلامة قيدمان Wiedemann 53 . وبالرغم من أن نظرية الكندي في المد والجزر تستند على أفكار خاطئة إلا أنه من الطريف ملاحظة أنه قد اعتمد على الملاحظة والتجربة العلمية ليثبت صحتها 54 . هذا وسنلتقى بأحد - - تلامذته عند الكلام على تاريخ التطورات الأولى في محيط الجغرافيا الوصفية . وقد استمر اسم الزيج مطلقا على الجداول الفلكية التي امتدت حياتها خلال عدد من الآثار المجيدة حتى اختتمت بجداول ألوغ بيك Ulugh Bek ، وهي جميعها بالتقريب تعطينا أطوال وعروض المواضع الجغرافية موزعة على الأقاليم السبعة . ويحتل المكان الأول من بينها زيج البتانى ( حوالي 244 ه - 317 ه - 852 - 929 ) 55 الذي عاش بعد قرن من الخوارزمي تقريبا . والبتانى لا ينتسب إلى المدرسة البغدادية بقدر ما ينتسب إلى مدرسة صابئة حرّان ؛ ومن فضل القول التحدث عن مكانته في تاريخ العلم البشرى ، ودليل هذا ذيوع صيته في أوروبا الوسيطة تحت اسم Albategnius وأيضا الاهتمام الكبير الذي أبداه نحوه رجيومنتانس Regiomontanus ( 1436 - 1476 ) 56 بصدد حساب المثلثات الكروي ( Spheric Trignometry ) ، كما وأن ملاحظاته عن الكسوف قد أفاد منها فائدة كبيرة دنتورن Dentorn حتى في وقت متأخر كعام 1749 57 . وقد أمضى البتانى حياته بأسرها تقريبا يرصد الأجرام السماوية بمرصد الرقة ، من عام 264 ه - 877 إلى عام 306 ه - 918 58 . ورغما من أنه اعتبر نفسه مسلما إلا أنه كان أقرب في أصله إلى صابئة حرّان الذين برز منهم في ذلك العهد عدد من كبار العلماء يكفى أن نشير من بينهم إلى ثابت بن قرة الذي مر ذكره .