اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

102

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

المصنفات الفلكية بل والجغرافية عند العرب . هذا وقد أهملت إلى حد كبير القاعدة الهندسية التي بنى عليها التقسيم وتفاوتت الحدود الفاصلة بين الأقاليم من وقت لآخر . ولم يخل الأمر من وجود آراء غريبة في هذا الصدد أحيانا 27 كزعم المسعودي بأن جميع المدن الكبرى في إقليم واحد تقع على خط عرض واحد 28 . وإذا كان الخوارزمي قد أبدى الكثير من الجرأة العلمية في تقسيمه الجديد للأقاليم فإنه قد أظهر أيضا الكثير من الأصالة والابتكار في خارطاته التي تختلف اختلافا تاما عن الخارطات المعروفة لنا من العهود التالية . وتقوم أهميتها قبل كل شئ على أنها تمثل أقدم ما وصل إلى أيدينا من آثار الكارتوغرافيا العربية ، ولكننا بكل أسف نفتقر إلى الوقائع والمعطيات الضرورية لنتمكن من الحكم عليها . ولدينا من المبررات ما يجعلنا نفترض أن رسالة « صورة الأرض » إنما تمثل شرحا فقط لخارطة رسمت على طريقة بطلميوس 29 ، وهذه الخارطة للأسف الشديد لم تصل إلينا ، - - فمخطوطة استراسبورج تحتوى على أربع خارطات فقط تمثل في الغالب نماذج متناثرة ويغلب عليها أحيانا طابع الصدفة المحضة . وإحدى هذه الخارطات تستهدف إلى جانب ذلك هدفا نظريا هو تصوير خطوط السواحل بغرض توضيح المصطلحات التي يستعملها العلماء . ولا يخلو من مغزى أن بعضها لا يزال مستعصيا على الفهم إلى الآن رغما من المجهودات المشتركة في هذا الصدد 30 . وتقدم خارطة « جزيرة الجوهر » والجبال المحيطة بها مثالا طريفا من ميدان الجغرافيا الأسطورية . وهذه الجزيرة يطلق عليها عادة اسم « جزيرة الياقوت » ، وكانت مثبتة منذ عهد بطلميوس على خط الاستواء في أقصى الشرق 31 ؛ وتستند الروايات عنها في الواقع على معلومات حقيقية عن جزيرة سيلان ولكن يطغى عليها لدى الخوارزمي تأثير الرواية العربية لأسطورة الإسكندر التي نالت انتشارا واسعا في العالم الإسلامي آنذاك كما بين مجيك 32 . أما الأهمية الكبرى فتنالها دون منازع خارطته للنيل التي يتضح منها أن مجراه كان معروفا جيدا في ذلك الوقت ؛ ويتفق رسم هذه الخارطة مع المذهب القديم في الجغرافيا الفلكية 33 ويقف دليلا على ذلك أن حدود الأقاليم السبعة قد بينت عليها بوضوح . كما تمثل أهمية جوهرية بالنسبة لنا آخر خارطة لديه وهي المبين عليها بحر مايوتيس Maeotis ، أي بحر آزوف Azov الحالي ، فهي على نقيض الخارطات السابقة تجعل الشمال في أعلاها أي كما هو الأمر حاليا ، بينما يحتل الجنوب أعلى الخارطات الأخرى وهي الطريقة المتبعة في الكارتوغرافيا للعربية . أما خارطة العالم التي لم تخل منها فيما بعد أية نسخة من نسخ « أطلس العالم » للمدرسة الكلاسيكية للجغرافيين العرب فلا أثر لها البتة عند الخوارزمي . وبيان خطوط الطول والعرض يمثل عنصرا هاما لإعادة رسم هذه الخارطة ، غير أن المحاولات التي قام بها مجيك خلال دراسته العميقة الطويلة لأفريقيا وجنوب شرقي آسيا 34 وشرقي أوروبا قد أثبتت أنه من العسر تنفيذ هذه المهمة ما لم تتوفر مادة علمية جديدة 35 . وكما هو الشأن مع جميع الترجمات العربية لكتاب بطلميوس فإنه أيضا فيما يتعلق بكتاب الخوارزمي