عبد الله المرجاني
47
بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
ومنذ قيام دولة المماليك وسلاطينها يظهرون اهتماما خاصا بالحجاز ، لم يقتصر على العناية بعمارة الحرم النبوي وإرسال الكسوة إلى الكعبة المشرفة فحسب ، وإنما امتدت عناية المماليك إلى بسط نفوذهم السياسي على الحجاز لأهميته الدينية والسياسية والتجارية « 1 » ، فهو - الحجاز - مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان ، حيث هناك بيت اللّه الحرام ، ومهبط الوحي ، ومنطلق الدعوة ، ومدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وهذا ما جعل لدولة المماليك مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين ، إضافة إلى لفها خلفاء بني العباس وأبنائهم ، وإعادة الخلافة بعد سقوطها . هذا بالنسبة إلى تبعية الحجاز العامة ، أو دعاء الخطباء في الجمع والأعياد ، أما بالنسبة إلى السلطة الفعلية فقد كانت بيد أسر ، تنتسب إلى الحسن أو الحسين أبناء علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وتعد نفسها عمالا لأصحاب السلطة في القاهرة « 2 » . والواقع أن الخلافات بين أشراف الحجاز أنفسهم هي التي أتاحت للسلطان بيبرس تحقيق هدفه في الحجاز ، ذلك أنه قدم إلى مصر الشريف بدر الدين مالك بن منيف ليشكو عمه جماز بن شيحة « 3 » أمير المدينة ، الذي حرمه نصيبه في نصف إمرتها إلى السلطان بيبرس سنة 665 ه ، فقلده السلطان نصف إمرة المدينة ، وأرسل إلى عمه يعلمه بذلك ، فامتثل لأمر
--> ( 1 ) انظر : المقريزي : السلوك 1 / 445 ، 504 ، 512 ، سعيد عاشور : العصر المماليكي ص 238 . ( 2 ) انظر : محمود شاكر : التاريخ الإسلامي ، العهد المملوكي ص 97 . ( 3 ) جماز بن شيحة بن هاشم ، عز الدين ، أبو سند الحسيني ، أمير المدينة المنورة ، وليها بعد موت أخيه منيف سنة ست وخمسين وستمائة ، ثم انتزعها منه ابن أخيه مالك بن منيف في سنة 665 ه ، ثم رجعت إليه في سنة سبعمائة ، فوليها إلى أن مات في سنة 704 ه . انظر : السخاوي : التحفة اللطيفة 1 / 244 .