شمس الدين السخاوي

76

البلدانيات

البلد السادس : إسكندريّة « 1 » وهي من أجلّ المدن وأمتنها وضعا ، وأكمل السّواحل ، المحيط بها البحر في التحصين عن العدا ؛ طردا ودفعا ، بحيث كانت قبل فتحها للمملكة محلا ، وصارت لحفظ من يخلع من الملوك وشبههم في الغالب وطنا مستقلا ، بل دخلها سلطان وقتنا في قوّة سلطانه ، بأمرائه وجنده وأمنائه ؛ المحفوفين برفده ، مع تحلّيهم باللباس الكامل ، وتخلّيهم عن الإيناس بما هو عن قصدهم عاطل ، فقلق من بها من العدو لذلك ، وفرق أن يكون مقدمه للمهالك ، وفاز هو بما اغتبط به أتمّ الاغتباط ، وحاز مع أتباعه بحسن النية فضيلة الرباط ، لا سيّما وقد أمر ببناء برج بها حافل ، هو لتحصينها مع العدد والعدد كافل ، وتمّ بعد ذلك على أعظم الوجوه ، واهتمّ لرؤيته من شاء اللّه من المسلمين وابتهجوه ، نصر اللّه الإسلام بوجوده ، ونضّر وجهه ببلوغه في الخير غاية مقصوده . جمع للمقيم بها بالقصد الحسن من الثواب ما تقرّ به العين ، وسمع تمنّي الأكابر كعمر بن عبد العزيز - لولا الخلافة - نزولها ليقبر بين ذينك الميناوين . وأظهر عطاء إليها شوقا زائدا ، وأشهر غيره من بهاء بياضها ورونقها قولا متعاضدا . وإنّ جدرها وأرضها كانت زائدة الابتهاج ؛ لكسوتها بالرخام الأبيض المستغنية معه عن الإسراج ، فإنه كان قد سخّر شأنه لأهلها بلينه معهم كالعجين إلى نصف النهار ، فيفعل منه ما يرام ويشتهى ، ثم يشتدّ فلا يمتدّ . وهي من آخر

--> ( 1 ) انظر « معجم البلدان » 1 / 182 ، و « مراصد الاطلاع » 1 / 76 ، و « المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار » للمقريزي 1 / 144 .