الشيخ محمد أمين الأميني

178

بقيع الغرقد

لا تقاس بالسنين ، ولكن تقاس بما قدّموه للبشريّة من خير ونفع . . ومن هذه الدروس الأوليّة في مجلس الإمام جعفر الصادق تعلّم الناس أن يسعوا لعمارة الدنيا بالعمل للرزق ومجانبة التواكل والبطانة » « 1 » . وكتب الباحث الأستاذ برهان البخاري الدمشقي : « إنّ أهمّ ما تميّز به القرن الثاني للهجرة هو نشوء المذاهب الفقهيّة ، حيث ظهرت مجموعة من الفقهاء أبرزهم حسب تسلسل تاريخ الوفاة : جعفر الصادق ( 80 - 148 ) ، أبو حنيفة ( 80 - 150 ) ، الأوزاعي ( 88 - 157 ) ، الليث بن سعد ( 94 - 179 ) ، مالك ( 93 - 179 ) ، الشافعي ( 150 - 204 ) ، أحمد بن حنبل ( 164 - 241 ) ، لقد أسّس كلّ واحد من هؤلاء الفقهاء السبعة مذهباً خاصّاً به ، واستمرّت هذه المذاهب حتّى يومنا هذا ، عدا مذهبَي الأوزاعي والليث بن سعد ، ومن بين هؤلاء الفقهاء السبعة برز الإمام الصادق عليه السلام علامة فارقة من حيث الترتيب الزمني ، وتأثيره على الذين جاؤوا بعده ، والأهمّ من ذلك تفرّده كسليل لآل بيت النبوّة وفقيههم المتميّز ، وليس لهذا الحين أن يفي ولو بجزء بسيط من مناقب الصادق ، فلقد وضعت فيه مؤلّفات عديدة ، وشهد له العدوّ قبل الصديق ، يكفي أنّ أبا جعفر المنصور الذي بطش بالطالبيّين بطشة لم يجاره بها أحد كان يجلّه ويهابه ، ويحسب له ألف حساب « 2 » . إنّ أهمّ ما تميّز به الصادق في نظري هو عمق النظرة وشموليّتها . . كانت غيرته على الدين واضحة ، ووقوفه ضدّ الوضّاعين والغلاة معروفة ، ومجابهته للتطرّف أثبتها أكثر من موقف . . ولا أدلّ على مكانة الصادق عند بقيّة المذاهب وعند السنّة بخاصّة من عدد المصادر التي ترجمت له أو أوردت طرفاً من أخباره والتي بلغت ( 64 ) أربعة وستّين مصدراً سنّياً حسب إحصاءاتنا ، ولقد تلمذ على يديه عدد من

--> ( 1 ) نفس المصدر : 6 - 7 . ( 2 ) ومع ذلك سمّه المنصور ، ومات الإمام الصادق عليه السلام شهيداً كآبائه .