محمد المقداد الورتتاني

63

البرنس في باريس

راجعين من الحج « والقيروان لممالك شمال إفريقيا طريق قويم ومركز خصب ونعيم » من عالم عصره سيدي أبي عمران الفاسي سنة 430 بأن يرسل معهم من يفقههم في الدين فكتب إلى تلميذه وأجاج اللمطي من أهل السوس الأقصى في ذلك ، وهذا أرسل معهم أحد تلامذته وهو عبد الله بن ياسين الجزولي الذي آل أمره بعد التعليم إلى تأسيس دولة المرابطين بمراكش التي أقام دعايمها ووسع فتوحاتها يوسف بن تاشفين . ورحل في أواخر القرن الثالث من القيروان إلى الأندلس أبو جعفر محمد بن هارون البغدادي يصحب الناس ويجالس أهل الأدب ، وكان بعد رجوعه وولايته الكتابة على عهد عبيد الله المهدي ثم ديوان البريد ، يحافظ على من جاز به قاصدا إلى الحج من خلطائه بقرطبة ويكرمهم . وأهل القيروان إلى الآن أصحاب كرم وبر بالضيوف . وبانتقال مقر الحكومة إلى تونس على عهد الدولة الحفصية ، من أول القرن السابع صار أهالي القيروان وبالأحرى من سواهم يرحلون إلى تونس وينالون منها المعارف والوظائف . ونبغ كثير منهم وأفادوا ، وربما طابت الإقامة لبعضهم فيها وأحرزوا على أعالي الرتب . فمنهم أبو القاسم البرزلي تلميذ ابن عرفة ، ولي الفتيا بتونس ، وكان يعرف بشيخ الإسلام وتوفي فوق الأربعين وثمانمائة . وفي ذلك العصر كان قاضي الجماعة بتونس من القيروان أيضا وهو يعقوب بن يوسف الزعبي قاضي القيروان في أول الأمر ، وولي تلك الخطة السامية بتونس بعد القاضي الغبريني . وفي القرن العاشر والحادي عشر كان دور الترحال للعلماء الأجلاء من آل عظوم المرادي بالقيروان إلى تونس ، وبرزوا في التحصيل والولايات الشرعية ، فمنهم محمد بن أحمد بن عيسى ولي الفتيا بتونس ومات أواسط القرن العاشر وهو صاحب كتاب الفرق بين التمليك والتوكيل ، في المسألة الجارية بها العادة من ذلك العهد ومن قبله إلى الآن بالقيروان . وهي تبرع الزوج بعد انعقاد النكاح لزوجته في صلب رسم الصداق بكونه طاع لها بعدم التزوج عليها بامرأة ثانية وجعل أمر الداخلة عليها بيدها . وفرق المؤلف بين التمليك والتوكيل . ووقعت في السنوات الأخيرة نوازل مالت فيها النفوس إلى عدم العمل بذلك التبرع . والتزام ما لا يلزم لا يلزم ، فتجدد الإذن والفتيا بالعمل بما قرره المؤلف المذكور بعد إجراء الكشف على ذلك التأليف النفيس والاحتجاج به .