محمد المقداد الورتتاني
256
البرنس في باريس
ومنها إلى الأعلى بدرج من حجارة نحو 80 ، فتراءت لي معظم بناءات القرية في الشرق والجنوب . وغالب آجر بناءاتها يميل إلى الزرقة ويرفرف على منازلها طير على قدر الحمام أسود فاحم ، يألف البيوت ويفرخ في أعاليها . زرت مستشفى هاته القرية في ضاحيتها شمالا فوجدته كامل التأثيث والترتيب ، فسيح المنازل ، يضم بين جدرانه رحبة واسعة وفرشا 240 وتكية للعجز أكثر ما بها نساء . أطلعنا ناظر المستشفى على أقسامه وكانت بيت الأدوية أوانيها عتيقة ، منها الخزفي الذي مضت عليه عدة قرون 3 من مصنوعات نفاير . وتلك الجهة شهيرة بهاته الصناعة مثل نابل الآن بالمملكة التونسية ، ومنها النحاسية المزوقة بطلاء براق ذي ألوان كالأزرق والأخضر ، قالوا إنها من مصنوعات ليموج منذ قرون وفقدت منها الآن هاته الصناعة جهلا بالأجزاء التي تتكون منها مادة تلك الألوان وبأساليب تركيبها . مثلما انقرض العلم بمادة طلاء الجليز الأندلسي الآن وإن حاول بعض الناس الآن في نابل تقليدها ومعالجة إحيائها . وأسباب فقد الصنائع قديما وحديثا كتم العارفين بها مع أنها علم يحرم كتمانه ، واحتكارهم لها حبا في السمعة وطمعا في المال الذريع . مع أن الرزق مقسوم ، والبخيل بجاهه أو بماله أو بعلمه مذموم ومحروم . إلى أن يأتيهم الموت بغتة وهم لا يشعرون . وكثيرا ما يطوف على المملكة طائف من ربك فيبيتها مرض العدوي أو يصبح بها صايح الحرب فيجرف الخصيصيين في العلوم والمحكرين للصنائع ومعهم ما علموه وما علموه ، فتصبح الأمة تبكي تلك الصناعة وأما صاحبها فتشكوه . دخلت دار آثار هاته القرية وكنيستها المنسوبة لصان روك . وقد قلنا غير مرة إن قرى فرانسا لا تخلو من مكتب 1 للتعليم ومكتبة 2 للمطالعة ودار للآثار 3 ونزل للمسافرين 4 ومحل للتمثيل 5 ومعبد ديني 6 ومستشفى للمعالجة 7 . واستوقف نظري في الأولى بقسم الحجارة كثرة النقوش العربية البحتة وهي الأشكال الهندسية المنتظمة والمرتبطة الأطراف على قواعد معروفة وقوانين معينة كيفما كانت الأشكال أو كثرت التفاريع . ولتفنن العرب في العصور 500 الأولى وحتى الوسطى 1000 في تلك الأشكال ورسمها على الحجارة والألواح والجبس والأوراق في فواتح السور وأوائل