محمد المقداد الورتتاني
240
البرنس في باريس
صغرى متصلة بساعات حساب السير ، يدار رمحها إلى أسفل عند الركوب أو المقاولة على الكراء ، علامة على أن العربة غير معدة للكراء ، ومتى كانت الراية المثلثة قايمة الرمح فالعربات يمكن الركوب فيها بالكراء المعين ولو بصفة الجبر للسايق - رأيت قبل مبارحة باريز وفي اليوم الأخير بها وهو يوم السبت 28 من جوان جميع الطرقات خالية من نمل العربات ، فكان منظر المدينة هاديا والماشي على قدميه يسلك الشوارع آمنا مطمئنا . ويقول الذين اعتادوا بدبيب النمل أن منظر باريز صار موحشا لما امتنع أرباب العربات الخيلية والكهربائية من العمل . وما اعتاده البشر يشق عليه مفارقته ولو كان سيئا . في صبيحة اعتصاب أرباب العربات بباريز بحثت عن عربة فلم أجد واحدة للكراء ، ومرت بعض عربات خصوصية ليست عليها علامات الاستعداد للكراء فسألت البوليس فأعلمني بالاعتصاب ، فتمنيت دوامه لإراح الماشين من ذلك الجراد المنتشر . وما جاء المساء حتى رجعت عن رأيي حيث كانت لي عدة حاجات في أطراف المدينة لم أتمكن لفقد العربات من قضاء جميعها في ذلك اليوم الأخير لي بباريز . وفي الليل بلغنا انحلال الاعتصاب الذي كان سببه ضغط البوليس عليهم في مصالح المدينة والركاب . تقدم ما قررناه في وسايط النقل تحت الأرض وعلى أديمها وكذلك السير تحت الماء في الكلام على البحر - والقسم الرابع وهو الطيران في الهواء قد بلغ إليه البشر أخيرا بعد ما فكر فيه قديما . فأبو القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس احتال في تطيير جثمانه وكسى نفسه الريش ، ومد له جناحين فطار في الجو مساحة بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره . عاينت الطيارات سابحة في جو باريز وقد مضت في عهد ظهورها عندهم في عام 1783 إلى الآن مائة وثلاثون سنة . استفسرني عن مشاهدة الطيارات بعض الأعيان بباريز ونحن في منزل السيد كابار فأعلمته بإعجابي به ومشاهدته في جو باريز ، فقال على وجه المداعبة لعلكم تقولون متى عاينتموه أنه أو فاعله شيطان ؟ فأجبته بأن اختراع الطيران قديم في الأندلس ولا نستغرب مشاهدته الآن حيث وصل لنا طرف من حضارة أروبا ومخترعاتها بواسطة دولتكم ، والطيارات سابحة عندنا الآن في جو المملكة التونسية . وكلمة شيطان متى قيلت لا يراد منها في مجاري الحديث إلّا النباهة وكمال المقدرة وإلحاق بعض بني البشر بالتشبيه البليغ بجنس عرف له التأثير