محمد المقداد الورتتاني
238
البرنس في باريس
جلوسه سابحا في البسائط ومتسلقا للجبال التي مهدها وصيرها طرقا لمجالات لهوه على متونها العالية وذراها الشاهقة ، وسابق أسرع حيوانات الهضاب والشعاب ، وامتزج بحيوانات الجبال والغاب ، وسبح تحت ماء البحار في غطاسات الأساطيل واختلط بالحيتان وطار في الهوى كما شاء . فما أقدر الإنسان على التقليد وما أشد طموحه للجديد . ونور العقل هو الوحيد في تمكينه من اختراع ما يشاء وتذليل ما يريد . وبدون استثمار العقل ونتائج العلم ومحمود الخصال ، يلحق بقسم الحيوانات أو بسودان الصومال . كان الإنسان يدافع الأسد بقوة البدن ومتانة السلاح وثبات الجأش . وبشر يقول : أفاطم لو شهدت ببطن خبت ، وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا . إذا لرأيت ليثا لاقى ليثا إلخ . واليوم ذلك السلطان المتسبع يرى خاضعا لسلطة تدبير الإنسان ، يأمره فيفعل ويهينه فيصمت . كل ذلك بضروب السياسة الجديدة التي تملك بلا حرب وتسوق بلا ضرب . والسياسة الحكيمة كالجمال لها سلطة على النفوس تستهويها وتنومها ، حتى يتصرف الآمر في المأمور ويكون أطوع له من البنان وأعلق به من الظل . على هاته الحالة رأيت الأسد في بستان المجكستي يلاعبه رجل أو يهارشه أو يعذبه ، قل كما شئت على حسب حالات الناظر أو الرجل أو الأسد . وابن آدم له ولع بربط السباع ومشاهدتها ومصارعتها ، فقد كان المعز بن باديس في النصف الأول من القرن الخامس هجريا يقودها خارج القيروان فيبرز لمشاهدتها غالب السكان . خرج يوما إلى ظاهر المدينة وأخرجت السباع بين يديه ، فأفلت منها سبع فانهزم الناس أمامه ووقع بعضهم على بعض ، فمات منهم نحو المائتين ، ووثب السبع على رجل من كتاب باب الغنم يدعى بالكرامي فقتله . والبطايح كثيرة في مدينة باريز التي شبهناها فيما سلف بمدينة بابل وما وصفوها به من حسن التقسيم والتنسيق . وكنت أستحسن منظر بطحاء اللوبيرا واجتماع الطرقات الكثيرة عندما تمر فيها أجناس البشر وأنواع العربات . وفي وسط البطحاء نقطة يغيب عن الأبصار فيها الماشون ، ويظهر منها أحيانا وفجأة أشخاص آخرون . وهو أمر غير مألوف ، وسببه عندنا غير معروف . وأما في باريز فيصعد وينزل بمثل ذلك المركز إلى محطات سكة الحديد التي تحت الأرض وهي من أهم وسايط النقل 4 . الميتروبوليتان : قطار يسير في الأنفاق تحت الأرض بقوة الكهرباء إلى سائر حارات