محمد المقداد الورتتاني

237

البرنس في باريس

والركوب للسفر والهروب ، تجده ضعيفا جدا والحيوانات العجم أقوى منه وأغنى بما أمدها الله تعالى به من الأصواف والأوبار والأشعار ، مع بسطة في قوة الأجسام وسرعة الجري والطيران ، صبورة على الجوع والعطش وطويل السير ، ولولا أن ذللها الله للبشر وأمده بسلطان العقل الذي استولى به على عوالم الكون لما كان له في أنواع الحيوان مطمع ولا منها نجاة . كما أن الإنسان قوي بالعقل الذي ميزه به الخالق ، فدبر به شؤونه الخاصة فاكتسى وتغذى ، ودون الوصول إلى هاذين الأصلين أعمال كثيرة وأدوار متعددة وفروع متشعبة . ثم اتخذ آلات الدفاع والتسلط وذلل الحيوان فامتطى غواربه ركوبا وزينة واستطاب أكل لحومه بالتربية والقنص ، واستخدم الطير مغنيا ورسولا ، فهذه حالة الإنسان مع ما سواه وكيف أمكنه بالعقل الانتفاع من الحيوان والتوقي منه . وأما مع بني جنسه فالخالق تفضل عليه بنعمة كبرى وهي النطق ، فخاطبهم بما يكنه ضميره وما يلوح للعقل تدبيره ، ولولا ذلك لما نتجت مصالح الاجتماع التي لا تتأتى للأفراد ولبات كل واحد وشأنه هو في واد ، وغيره في واد ، فتفوت استفادة الناس من بعضهم وما يجمعون على نيله من غيرهم . ويتبين لك ضعف الإنسان بدون لسان حتى في الأشياء البسيطة المحسوسة بالعيان من قضية تبلبل الألسنة عند إشادة برج بابل لحكمة أرادها الله ، فقد حال عدم التفاهم دون إنجاز المشروع . لذلك كانت وحدة اللغة في الأمم جامعة متينة وهذا برهانها . ومعنى قولهم الآن في اختلاف الآراء افتراق الكلمة ينطبق حتى على الاختلاف في اللغة بمعنى الكلمة . فالإنسان بلسانه الذي جعله كجزء من أفراد بني جنسه قوي بذلك الجموع البشري ، الذي هو كالبنيان المرصوص والحصن المتين يشد بعضه بعضا . فما أحسن جامعة الإنسان وما أحصنها ، وما أسعد الإنسان بعقله ولسانه متى استعملها فيما خلقا لأجله ، وما أكبر نعمة الله عليه بهما . وهو بدون تدبير العقل لا يكون في أمن ولا راحة من نوائب الدهر وغائلات العوالم والطبيعة معا ، وبدون مفاهمات اللسان ليست له جامعة ولا ينتج من وجوده في الكون فائدة . فبالتعقل والتدبر حصل الإنسان المزايا الخاصة لبعض الحيوانات وغالب الطبيعة وأبرز أسرار الكائنات . اخترع الكهرباء فاستعاض بنورها عن الشمس وبحرارتها عن النار وبقوتها على البخار ، فجرى بها في بيت