محمد المقداد الورتتاني
234
البرنس في باريس
الصور التي ورد ذكرها في أثناء الحديث على الساعة التي كانت لملوك تلمسان ، تخرج منها جارية بيمناها كتابة تتضمن اسم الساعة ويسراها على فيها كالمبايعة . والعادات ربما اندثرت بمنابتها الأصلية وتوارثتها الأمم البعيدة . وانظر ما نقله ابن الكردبوس التوزري في تاريخه من سؤال الخليفة المعتمد العباسي المتوفى سنة 279 لابن خرداذبه عن الرقص حيث قال له : صف لي أنواع الرقص والصفة المحمودة من الرقاص وشمائلهم ، فقال : يا أمير المؤمنين أهل الأقاليم والبلدان مختلفون في رقصهم ، والرقاص يحتاج إلى أشياء في طباعه وأشياء في خلقته وأشياء في عمله ، فأما ما يحتاج إليه في خلقته فطول العنق والسوالف وحسن الدل والشمايل ، والتمايل في الأعطاف ورقة الخصر والخفة ، وحسن أقسام الحلق والمناطق واستدارة أسافل الثياب ومخارج النفس ، والصبر على طول الغاية ولطافة الإقدام ولين الأصابع وإمكان بنانها في نقلها ، ولين المفاصل والأعطاف وسرعة الانفتال في الدوران . وأما ما يحتاج إليه في عمله فكثرة التصرف في ألوان الرقص وإحكام كل حد من حدوده ، وحسن الاستدارة وثبات القدمين على مدارهما ، واستواء ما يعمل بيمين الرجلين ويسراهما ، حتى يكون ذلك واحدا . ولوضع الأقدام ورفعهما وجهان ، أحدهما أن يوافق بذلك الإيقاع والآخر أن يتباطى به حتى يكاد يموت . فسر المعتمد بذلك وخلع على ابن خرداذبه . تجد كثيرا من ذلك التفصيل ينطبق على ما عند الإفرنج في مراسح التمثيل . وفي القاموس ردت الجارية رفعت رجلا ومشت على أخرى تلعب . أطلنا في هذا الغرض الكلام ، إيفاء بحقوق كل مقام . والعرب أعيانهم وملوكهم بلغوا حد الغاية في الاعتناء بمجالس الموسيقى ومجالس الأنس في أوقات مخصوصة لترويض النفس وجمع الفكر ، وربما كانت للروح علاقة بالنغمات ، ولأهل التصوف ذوق في هذا الفن والأطباء يستعينون به في المداواة . وتأثير الألحان محسوس فعال حتى في عجم الحيوانات يطربها ويحثها ، غير أن العكوف على آلات الطرب وألحان الغناء لإضاعة الوقت والسير مع الهوى مما ينافي صفات الرجولية ويذهب بالشهامة . الأروباويون عرفوا قيمة الموسيقى وتأثيرها على النفس مثلما عرفها العرب قبل ذلك ، ولا زالت تآليفهم شاهدة بالاعتناء والإتقان . وهي التي قلدهم بها غيرهم وصارت للإفرنج أوقات خاصة لها وأماكن معلومة