محمد المقداد الورتتاني

230

البرنس في باريس

الغريبة منذ آلاف من السنين . بلغني أن المخابرة تجري بين أعلى الصرح وبين بحيرة تشاد في دواخل الصحراء الكبرى بسودان قارة إفريقية بواسطة التلغراف اللاسلكي في مدة ست ساعات . أما المغرب الأقصى فالحديث معه فيه ، أسهل وأقرب من احتلال أراضيه . لما لأمة فرانسا من البراعة في العلوم والتقدم بين الدول في الفنون ، وكانت سرعة المخابرة بواسطة البناءات الرفيعة معروفة ومستعملة في شمال إفريقيا وسلطنة القيروان . قرروا أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب لما ولي إفريقية في سنة إحدى وستين ومائتين بنى الحصون والمحارس على ساحل البحر ، حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية فيصل الخبر منها إلى الإسكندرية في ليلة واحدة وبينهما مسيرة أشهر . والبساتين والرياض في المدينة كثيرة منها شأن زيليزي والتويلري ، والأول غربي بطحاء كونكورد والثاني شرقيها . وبستان مجلس الأعيان وأكثر ما رأيت فيها الصبيان يمرحون بعدا عن المزاحمة بالطرقات وخطرها . والطيور في هاته البساتين تألف المتجولين لإحسانهم لها ، ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا . تراهم يمدونها بالمطعومات فتتلقفها هذه من أيديهم ولا يتعرض لها كبير أو صغير بأدنى أذى : تسقط الطير حيث تلتقط ألح * ب وتغشى منازل الكرماء وأكبر البساتين ما كان غربي المدينة ويسمى بواد بولونيا . وهو غابة عظمى بها بحيرات وطرقات بعيدة الغاية يقصدها أغنياء باريز في العربات على اختلاف أشكالها وأنواعها ، ومشيا على الأقدام للتجول في رياضها بأكمل زينة وأحسن هندام واستنشاقا للهواء النقي . وأما محلات جلوسهم ومجامعهم ليلا فديار التمثيل ، التي سيأتي الكلام عليها في فصل خاص ، والقهوات الكبرى ، ومن بطحاء اللبيرا وقهوة السلم « كافي لا باي » وشارع الطليان إلى شارع مونمارتر وكافي روايال ، التي هي مجتمع المشارقة ، يستمر التجول والسهر غالب الليل .