محمد المقداد الورتتاني

228

البرنس في باريس

حياة المدن وموقع باريز يراعى في تأسيس المدن ما يدوم به عمرانها ويسعد به سكانها وأول ما يعتني به : 1 - مواد المعاش والشراب وسهولة تناولها وملايمتها . 2 - ثم تحصينها من كل عادية وعدو . 3 - ثم تحسينها بالقصور الشاهقة والبطائح المتسعة والبساتين المظللة والبناءات المرتبة في مثل الطرقات والأسواق وديار التمثيل وكل ما يرجع للمجتمع العام ، والنظافة والتنوير . 4 - ثم ترقية أدوات النقل راحة البشر وتوفيرا للوقت . 5 - ثم إجادة الصنائع . والتجارة بسائر البضائع لتتوفر الآمال لسكان المدينة بما يشترى منها مما يعز وجوده في الضواحي وأقطار البساطة . 6 - وأهم شيء لاستدرار الأموال بالمدن ترقية العلوم والأمن وإعداد ما تتوفر به راحة الغرباء ، ويتطلبه منها البعداء ، فتتزاحم الآمال على قصدها وتشد الرحال لساحتها وذلك هو عين الحياة للمدينة وطريق الثروة وزمن الرفاهية ، فتأتيها إلى منازلها الرجال والأموال ، وتفوز في مكانها بجميع الآمال . 1 - جمعت هذه الصفات مدينة باريز فيمدها نهر الساين بالماء العذب ويسقي سكانها ، سواء منهم من كان في شرقي المدينة أو وسطها أو غربيها ، وقد تقدم لنا في الكلام على مدينة ليون أن الأنهار تعشق المدن في فرانسا وبينا أن ذلك من حسن الوضع والتدبر لها عند التأسيس . أما ضاحية باريز فهي أراض جيدة للزراعة وبها الغابات والبساتين ، فمواد الغذاء والوقد متوفرة وقريبة من المدينة . قال المؤرخ الخبير بطرق العمران ابن خلدون ما معناه : يراعى في البلد أن يكون على نهر أو بإزائه عيون عذبة ثرة لتسهل على الساكن حاجة الماء الضرورية حيث وجوده مرفقة عظيمة عامة . وقال : قد يكون الواضع غافلا عن حسن الاختيار الطبيعي أو إنما يراعي ما هو أهم على نفسه وقومه ولا يذكر حاجة غيرهم ، كما فعله العرب لأول الإسلام في المدن التي اختطوها بالعراق وإفريقية ، فإنهم لم يراعوا فيها إلّا الأهم عندهم من مراعي الإبل وما يصلح لها من الشجر والماء الملح ، ولم يراعوا الماء ولا المزارع ولا الحطب ولا مراعي السائمة من ذوات الظلف ولا غير ذلك كالقيروان والكوفة والبصرة وأمثالها ، ولهذا كانت أقرب إلى الخراب لما لم تراع فيها الأمور الطبيعية .