الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
18
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير ( الكتاب العاشر )
من خياله أن « ذا الدمنة » نبز للجدّ الأعلى من أجداد المؤلف ، ولو كان نبزا لأهمله المؤلف ، وكان له عن ذكره غنى . ويطمئن قلبي إلى أن سليمان ذا الدمنة كان يتجر بالإبل ، ولعله اقتطع لأعطانها أرضا في المراشي كان يسميها « الدمنة » فعرف بها . والإبل عند العرب هي المال ، يتجملون بجمالها ويتنوّقون بنوقها . ويقول المؤلف ( في ص 168 ) عن يوسف بن داوود بن ذي الدمنة أنه وذويه « كان لهم بصر بالإبل لم يكن لأحد من العرب » . وبقي سلف أبي محمد في وطنهم ( المراشي ) إلى أن كان أول من تحوّل عنه منهم يوسف المقرا أبو جدّ المؤلف ، فانتقل مع أبيه داوود في آخر عمره لاحقين بإخوتهم من بني الأزهر بن جزيل ، فخالطوهم - مع بلحارث من مذحج - بالرحبة ورحابة وصدور الخشب في وادي ( الخارد ) أول أودية الجوف الأربعة . ثم انتقل يوسف إلى ( صنعاء ) في آخر عمره بمن معه من بنيه ، ومنهم يعقوب الجد الأدنى للمؤلف . وفي تقديري أن النقلة من المراشي إلى الخارد كانت في أواسط القرن الثاني للهجرة في خلافة أبي جعفر المنصور ، والنقلة من الخارد إلى صنعاء في الربع الأول من القرن الثالث زمن المعتصم أو الواثق . وفي صنعاء ولد المؤلف ، ولا نعرف تاريخ ولادته ، وقد يكون ذلك بعد أن مضى على هذا البيت في صنعاء نحو نصف قرن ، أي في زمن المعتمد بن المتوكل ، وكانت قد فشت يومئذ معارف كثيرة ينطوي بعضها على الخير ، ويرمي بعضها إلى إذاعة المقالات الباطلة من وثنية اليونان وحلولية الباطنية واتحادية البراهمة ، كما تقدمت الآداب وتفنن أهلها في التصنيف والتأليف ، فنشأ المؤلف مدفوعا بذكائه ومواهبه إلى المشاركة في جميع معارف عصره من تاريخ وأنساب وجغرافية ومساحة وفلك ودراسة لحركات الكواكب ، وبحث عن سنن الطبيعة وآراء الملل والنحل في المبدأ والمعاد . وبعض هذه العلوم ولا سيما الكونية منها قد أصاب ما أصابه منها في صدر حياته ، لأن مشاغله بعد ذلك التي دلت عليها أخباره لا تمكنه من هذه الدراسة لو لم يتمكن منها في أيام شبابه ويشير أبو الحسن القفطي إلى ( زيجه ) المعروف ويقول :