الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

19

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير ( الكتاب العاشر )

إن عليه اعتماد أهل اليمن . وكانت ملكة الشعر والبصر باللغة والأدب من أوائل ما اضطلع به الهمداني . وقصيدته العظمى ( الدامغة ) في فضائل قحطان ، ومطلعها : ألا يا دار لولا تنطقينا * فإنا سائلوك فخبّرينا اطلع القفطيّ على شرح المؤلف لها في مجلد كبير فاستدل بذلك على فضل الهمداني في اللغة والأدب ، فعقد له بسبب ذلك ترجمة أخرى في ( كتاب النحاة ) ، وأدخله الجلال السيوطي أيضا في كتابه ( بغية الوعاة ) لهذا السبب . على أن دواوين شعره بلغت ستة مجلدات على ما نقله السيوطي عن مؤرخ اليمن أبى الحسن علي بن الحسن الخزرجي المتوفى سنة 812 ، ولو وجدت مجاميع شعره لألقت شعاعا مبينا على كثير من مغامرات الهمداني ونزعاته وحوادث حياته ، لأن الرجل لم يقصر وقته وحياته على العلم والتصنيف ، بل ساهم في حركات عصره وحوادث وطنه ، وكان زمنه زمن حوادث وانقلابات : ففيه ظهر القرامطة واتخذ الإسماعيليون من اليمن ميدانا لنشاطهم ، وفيه قامت الإمامة العلوية لأول مرة على يد يحي الهادي وابنيه المرتضى والناصر ، حملة مذهب الإمام زيد إلى اليمن ، وفيه كانت السلطة العباسية تحشرج أنفاسها في دور ضعفها ، وفيه كان أهل الزعامة من وجوه القبائل وأعيان الأسر الظاهرة يحاولون أن يحدثوا لأنفسهم أقطاعا على أنقاض الحكم العباسي . ولعل هذا مما دعا المؤلف إلى أن يتحوّل عن صنعاء ويتخذ له وطنا جديدا في مدينة ( ريدة ) ، عاصمة البون ودار ملك بنى الضحاك الذين أزالوا مملكة آل يعفر بعد أن عجزت الدولة العباسية عن إزالتها ، وقد استطاع المؤلف بذكائه ، وحاجة أهل السلطة إلى بيانه وشعره ، وحرمة الناس لعلمه وفضله ، أن يكون وثيق الاتصال بسيد همدان في عصره أبى جعفر أحمد بن محمد بن الضحاك العبدي المعيدي صاحب الوقائع والأيام ، فكان له خلا وصاحبا ، ووقف جانبا كبيرا من شعره على تقييد أيام هذا الملك الحاشدي ، وشهد له مائة وقعة وستا كان أكثرها بينه وبين الإمام الهادي وابنيه ، ثم صالح ابن الضحاك ابني الهادي وتعاون معهما ، ثم باعده القاسم بن الناصر ، فكان شعر الهمداني جريدة هذه الحوادث وديوانها الذي